شكوك في إمرار الانتخابات الرئاسية وسط أفق خارجي معقّد
حرب أوراق بين أميركا وسوريا عبر المفاوضات والملف النووي
حرب أوراق بين أميركا وسوريا عبر المفاوضات والملف النووي
روزانا بومنصف
لم تتضح لمراقبين كثر ماهية كشف الاستخبارات الاميركية للكونغرس في نهاية الاسبوع الماضي طبيعة الهدف الذي قصفته اسرائيل في دير الزور في سوريا في ايلول الماضي، وقالت انه مفاعل نووي ساعدت كوريا الشمالية في تأمين المواد الاولية والتقنية لبنائه. انما توقيته، عشية زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان لدمشق التي وضعت سوريا الهدف الاساسي لها وهي نقل رسالة من اسرائيل الى سوريا حول رغبتها في معاودة المفاوضات بين البلدين، بدا كأنه يصب في اطارين: الاول ان واشنطن تملك من الاوراق ما يكفي كي تسحبها في وجه دمشق في حال شاءت ذلك، اكان من أجل الضغط عليها او فرض عقوبات تتعلق بالانشطة النووية، والثاني ان توقيت هذا الكشف يحرج دمشق في المبدأ لأسباب متعددة تدخلها كما دخل العراق من قبلها وايران نادي الدول التي تلاحق في ملف يتعلق بسباق التسلح النووي في منطقة الشرق الاوسط او على الأقل ستكون موضع تحقيق جدي يمكن ان يعرضها لأكثر من عقوبات اميركية وحدها، فضلاً عن انه ملف لن يقتصر التعامل معه مع ادارة اميركية من دون اخرى وان اختلف اسلوب التعاطي كورقة ابتزاز وضغط او اكثر من ذلك. بالاضافة الى ذلك، بدا محرجاً سعي دمشق الحثيث، وهي التي اعلنت الغاية من زيارة رئيس الوزراء التركي او حددت مهمته في السعي الى صلح مع اسرائيل في حين تتغاضى عن قصف اسرائيل منشأة لها في طور التطوير.
ويعتقد بعضهم ان واشنطن ترغب في اغلاق الباب على محاولة معاودة علنية للمفاوضات بين سوريا واسرائيل برعاية تركيا، اذ لا يناسبها ذلك وان اقتصر الأمر على فتح باب المفاوضات من دون استكمالها والوصول الى نتائج، لأن مصلحة كل من سوريا واسرائيل تكمن في فتح باب المفاوضات فحسب في الوقت الراهن. اذ ان سوريا راغبة في رعاية اميركية للمفاوضات لن توفرها الادارة الحالية لاسباب متعددة ولعلها ستنتظر الادارة المقبلة من اجل ان تقدم اليها هذه الفرصة لقاء اثمان تطمح الى الحصول عليها ومنها اعادة سيطرتها على لبنان. لكن هذه الخطوة لا تناسب الادارة الحالية التي ترغب في ابقاء الانظار مركزة على الاهمية التي توليها للمسار الفلسطيني – الاسرائيلي في ظل استعدادات لزيارة الرئيس جورج بوش للمنطقة منتصف ايار الجاري لهذا الهدف تحديدا، فضلا عن انها لا تود اخراج سوريا من عزلتها نتيجة سلوكها في لبنان وفلسطين والعراق واي معاودة للمفاوضات بين سوريا واسرائيل في هذه المرحلة تقدم خدمة كبيرة للنظام السوري لا تنوي ادارة بوش اتاحة المجال امامه للافادة منها.
وهذا كله حفز المناقشة في بعض الدوائر الاميركية خصوصا حول دور الولايات المتحدة في المفاوضات السلمية في المنطقة، علما انها ليست مناقشة جديدة، في خلفية العلاقات مع سوريا من جهة، وتأثيرها السلبي في لبنان باعتبار ان اي مفاوضات بين اسرائيل وسوريا يخشى ان تؤدي حكما الى اعادة الوصاية على لبنان من الباب الاسرائيلي وليس من الباب الاميركي هذه المرة، وذلك من اجل انهاء وضع “حزب الله” وسواه من التنظيمات، ومن زاوية تأثير ذلك في ابعاد سوريا عن ايران وعزل نفوذ الاخيرة ومنع تمدده اكثر في المنطقة.
ويرى المسؤولون المعنيون في لبنان انه ما هو مهم استكمال المفاوضات السورية – الاسرائيلية والفلسطينية – الاسرائيلية من اجل وضع حد نهائي للصراع العربي – الاسرائيلي انطلاقا من لبنان وعلى حسابه، يجب ان يكون لبنان في اي شكل بندا من بنود التفاوض بين اسرائيل وسوريا في اي مرحلة من المراحل خشية تقاسمه نفوذا بين سوريا واسرائيل، او عودته الى الوصاية السورية. وبقاء لبنان دولة تقوم مؤسساتها الدستورية بواجباتها، وبسياسة خارجية نشطة تحمي مصالح لبنان وتمكن من تجنب الكثير من الاخطار، لذلك ترتسم علامات استفهام فعلية او بالاحرى يتم التعامل بحذر مع دعوة الرئيس نبيه بري الى الحوار واهدافها. ففي حسابات جميع المراقبين والمتابعين ان سوريا مع ابقاء لبنان في حال انعدام الوزن حتى اشعار آخر، وتحديدا حتى السنة المقبلة. وقد اخذت الدول العربية والاقليمية، وحتى الغربية، علما بذلك، فجزم مسؤولون فيها بان لا جديد في افق الحل في لبنان هذه السنة. ومع ان ثمة من يردد احتمال امرار رغبة سورية الى حلفاء دمشق بـ”تطرية” للوضع بعض الشيء قد تترجم انتخابا لقائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، فان المراقبين المعنيين غير واثقين بوجود مثل هذه المعطيات، باعتبار انه كان في امكان دمشق بيع ورقة الانتخابات في لبنان من العرب قبيل القمة العربية قبل شهر تماما، وان تحظى بحضور عربي لافت، فضلا عن تردد انعكاسات ذلك على علاقاتها الاوروبية، لكنها تجاهلت ذلك كليا. لذلك لا يبدو واقعيا اتاحة حصول الانتخابات في غياب اي اثمان او اتفاقات في الافق من جهة، فضلا عن ترك المجال للداخل اللبناني لان يقوم بذلك من دون دور بارز وواضح للعاصمة السورية، من جهة اخرى، مما يسمح لهؤلاء المراقبين بالجزم بان الامر لن يتخطى اطار تهدئة الاجواء الداخلية فحسب وهذه المساهمة هي الوحيدة التي تقدمها دمشق في هذه المرحلة وليس اكثر، حتى وان جلس الجميع الى طاولة الحوار، وخصوصا ان التوقعات بتعاون سوري محتمل انما تتصل بانتظار دمشق ان تتوضح صورة الانتخابات الاميركية في الصيف لتقدم على اي خطوة، وليس قبل ذلك.