#adsense

لعبة أحرف

حجم الخط

لعبة أحرف

راشد فايد


قد تقع المعجزة يوم الثلثاء 13 أيار 2008 وينهي اللبنانيون مرحلة رئاسة الجمهورية من درب الجلجلة في انتظار استكمال السيادة والحرية والديموقراطية التي نزلوا لأجلها من كل لبنان الى ساحات بيروت يوم 14 آذار 2005.


وإذا كان بعض الظن إثما، فإن بعض الظن من حسن الفطن، لذا يتماهى وندرة الفطنة أن يسلم المتابع السياسي بأن الدعوة الى الحل على قاعدة “إعلان النيات” التي رفعها الرئيس نبيه بري فجأة، بعد زيارة دمشق، هي “نور شقه الله في الصدر” (على قول الامام الغزالي) لا حسابات سياسية إقليمية تحديداً، ومحلية تالياً وراءها. فهذه الدعوة تناقض المسار السابق لكل مقترحات المعارضة (وهو في قيادتها) والتي لا تقبل بأقل من “استسلام ” الأكثرية وخضوعها و”إذعانها” (التعبير الذي يستذوقه رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة”) لشروطها، تحت “وهرة” سلاح “حزب الله” ومستوطنة الخيم في أملاك المستثمرين اللبنانيين والعرب في ساحة رياض الصلح. فماذا عدا مما بدا حتى يؤمن المعارضون بأن الأعمال بالنيات؟


أصحاب الظن من حسن الفطن يلحظون الآتي:


– ان نظرية س.س التي أطلقها بري وعنى بها أن الخلاف اللبناني يحل بتفاهم سوري- سعودي أحرج دمشق وكرسها خصما للمجموعة العربية بشهادة حلفائها اللبنانيين.


– تعوق هذه الخصومة طموح الرئيس السوري الى الاضطلاع بدور رئيس القمة العربية الذي يرجوه منصة لتلميع موقع إقليمي افتقده بإنهاء وصاية نظامه على لبنان عام 2005. وهو لم يخف عزمه على زيارة القاهرة والرياض اللتين لم تتبدد أسباب خلافه ومظاهره معهما (نفى وزير خارجية السعودية علمه بأي ترتيب للزيارة).


– العودة الى نغمة الحوار وبمنطق الاكتفاء بالنيات، بعد رفع طاولة التشاور عنوة، يشي بالسعي الى إعطاء الانطباع وللخارج تحديدا، ولا سيما العربي، أن المشكلة لبنانية – لبنانية ولا دور لسوريا فيها. أي هي لام – لام  وليس سين – سين.


– يعزز سوء الظن هذا أن أفرقاء المعارضة، اي “حزب الله” والجنرال ميشال عون والفئات الملتحقة بالأول، لم يبدوا تأييدا جديا لحوار النيات، بل على العكس هم إما صامتون وإما يكررون المطالبة بسلال الشروط، وإطلاق التهديدات ولا سيما منهم من لا يمون على أكثر من أهل بيته. وإذا تكلموا فعلى الحوار وضرورته عموما وليس على إعلان النيات.


ومع ذلك، لا تستطيع الاكثرية تجاهل “الوليمة المسمومة” التي يدعوها إليها الرئيس بري، كما سماها الوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون. فرئيس المجلس سيجد مبررا لرمي مسؤولية إفشال الحوار على الاكثرية فور تأكده من رفضها عرضه الجديد، وبذا يؤكد لبنانية الخلاف التي تود دمشق ترويجها وأسمعته عتبها على نفيها بشعاره الشهير س- س.


ولأن الاكثرية تعرف ذلك، وموقنة بأن الأزمة هي بين لام وسين، أي لبنانية مع النظام السوري، فهي مضطرة لقبول عرض بري مع استباق الحوار بتناول العقار المضاد لسموم الوليمة، وهو اشتراط الاتفاق على انتخاب الرئيس أيا تكن النتائج، وحصر مواضيع المناقشة وتحديد مدتها الزمنية، والقبول بإجرائها، حتى بواسطة الحمام الزاجل لحشر الممانعين من أهل السلال والشروط. ومن حقها أن تعتبر انتخاب العماد ميشال سليمان نقطة انطلاق الحوار المنشود، كما قال رئيس كتلة “المستقبل” النائب سعد الحريري، وعن حق، ما دام أقطاب المعارضة لا ينفكون “يمننون” اللبنانيين بأنهم هم من رشحوه للرئاسة وقبل الغالبية.


المناقشة التي نجر لها الرئيس بري، في السابق، طاولتين، واحدة للحوار وأخرى للتشاور، تعرف الغالبية أنها انتهت في المرتين الى إقرار المعارضة بعد حرب تموز بـ”إحترام “المقررات وليس التزام تنفيذها. وما بين الاحترام والالتزام خيط وهمي من التطابق تماما كما بين التقدير والخضوع.فهل ستلتزم غدا إعلان نيات بعدما حيدت نفسها عن المقررات؟


ما يزيد من سوء الظن، وعدم توقع المعجزة، أن الحليفين الاقليميين للأقلية المعارضة، يريان انهما يواجهان المشروع الاميركي في المنطقة، في لبنان وغزة والعراق، وغير مستعدين لتقديم أي تراجع للإدارة الحالية في واشنطن، وهذا ما لم يخفه الرئيس السوري الذي قال أنه ينتظر الادارة الاميركية الجديدة لترعى مفاوضاته مع اسرائيل. فهل قررا أن انتخاب الرئيس اللبناني لم يعد من ضمن هذه المواجهة، أم تكفي نيات الرئيس بري المعلنة لحدوث المعجزة اللبنانية في زمن ولت فيه المعجزات؟ ام هي لعبة أحرف تملأ فراغ الانتظار الداخلي، وتحرر الرئاسة السورية للقمة العربية من الإثم اللبناني؟


13 أيار يسبق بنحو أسبوع  الذكرى نصف السنوية الاولى لفراغ رئاسة الجمهورية، ويسبق بنحو ثلاثة أشهر الموعد الذي ضربه قائد الجيش لمغادرة موقعه، والمغزى من اختياره يعرفه الرئيس بري وحده، إن كان له مغزى. ما يعرفه جميع اللبنانيين أنه موعد الجلسة التاسعة عشرة لانتخاب الرئيس التوافقي المتفق عليه وليس أي مرشح آخر، وما يعرفونه أيضا هو أن إرادة التفاهم تبدأ  مما لاخلاف عليه. والمعارضة لا تقصّر في ترداد أنها من “اكتشف “شخصية قائد الجيش التوافقية. فماذا تنتظر لتسجل لنفسها “براءة” هذا الاكتشاف في السجل الوطني؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل