تصرف حزب الله وعمى عون؟!
الفرد نوار
يبدو حزب الله في اصراره الدائم على اعتبار نفسه ندا عسكريا لإسرائيل، وكأن ما ينقصه للوصول الى هذه الندية، هو سيطرته السياسية على لبنان من خلال ما يقوم به من تصرفات تضع الجميع امام خيار القبول بما يطرحه من حلول، او خيار بقاء البلد في حال من الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي!
وطالما ان هذه المعادلة قائمة في ذهن اركان حزب الله الذين يتصرفون على اساسها، لا بد من توقع الاسوأ على مدار الساعة، خصوصا ان ثمة استحالة امام الدولة لمواجهة الحزب، ربما لأنها غير قادرة على تحمل مسؤوليات حرب اهلية، او خوفا من ان تلبي حاجة الحزب الداخلية لأن يترجم مشروعه السياسي الاوسع، متكلا على قاعدة شعبية يصعب عليها التفريق بين خط سياسي وبين خط مذهبي!
وما هو اكثر وضوحا من سواه ان حزب الله عندما نجح في جر التيار الوطني الى صفه، كان يعرف تماما ماهية شخص ميشال عون ونفسيته وعقده، بالاتكال على دراسة وصفها عدد من الاطباء الاختصاصيين اظهرت ان عون في حال لم يقدر على تجييش الصف المسيحي باتجاه مشروعه السياسي، سيقبل بأي تجييش مختلف يجعله ندا للسطة مهما اختلفت نوعيتها وهذا ما حصل بالتمام والكمال!
كذلك، فإن حزب الله في اتكاله على حليف مسيحي شرس من صنف ميشال عون، امكنه ان يتصرف كدولة ضمن دولة. والادلة على ذلك اكثر من ان تحصى سياسيا واقتصاديا ومجتمعيا ومذهبيا وعسكريا، خصوصا وانه وجد ضالته الخارجية من خلال ما تغدقه عليه «ولاية الفقيه» في ايران، بعدما كان دعمه مقتصرا على «المعنويات السورية». وهناك من يجزم في هذا الصدد بأن الجمهورية الاسلامية في ايران تتعاطى مع حزب الله وكأنه من «املاك ما وراء البحار». وهذا ما يؤكده الحزب بشجاعة سياسية وشعبية ومذهبية منقطعة النظير (…)
وعندما يشترط حزب الله «كوتا وزارية» بمستوى «القرار السياسي»، فإنه يلبي مصلحة مشروعه من دون ان يغفل مشروع حليفه في المعارضة ميشال عون، حتى وان كان الآخر يعرف ان حصته لن تتجاوز ما يسمح له بأن يستقل في قراراته عما يلبي مصلحة حليفه.
ويقال في هذا المجال ان محاولات حزب الله تكبير حجم «الحليف العوني»، لن تصل الى الحد الذي يسمح للأخير بالاستقلالية السياسية والشعبية، في حال تغيرت المعادلات الداخلية، لا سيما ان حسابات عون اخذت في الاعتبار ما بوسع الحزب ان يعطيه في الانتخابات، مع العلم ان الحسابات السياسية الاخرى القائمة بين الطرفين، باتت تلتقى على مناهضة الاميركيين شكلا ومضمونا، كما تلتقي على اعتبار الاجماع العربي ضد سورية وايران من اكبر ارصدتها السياسية والشعبية!
واذا كان هناك من لا يزال يعتقد ان رئيس التيار الوطني في وارد «العودة الى جلده»، ثمة من يجزم بأن عون قد قطع خطوط الرجعة مع محيطه المسيحي، جراء اصراره على رفض التفاهم مع مرجعية بكركي، فضلا عن اصراره على اعتبار نفسه مرجعية مسيحية مستقلة. ولولا بقية من حياء لديه لما تأخر عن اعلان نفسه بابا سياسيا ودينيا على جميع المسيحيين بلا استثناء!
ومن مفارقات ما حصل في اليومين الاخيرين في الضاحية الجنوبية، جراء خطف او احتجاز مسؤول سياسي فرنسي كان في زيارة معلنة الى لبنان، ان حزب الله اعلن مسؤوليته عن العملية بذريعة تخوفه وحذره من ان يكون المخطوف في «مهمة استخباراتية تصب في مصلحة العدو الاسرائيلي»، من دون ان يحسب لدور الدولة حسابا، الا اذا كان يعتقد ويتصرف على اساس انه دولة ضمن دولة!
والمخيف بالنسبة الى ما حصل ان التحقيق مع المخطوف استغرق اكثر من ست ساعات، قبل ان يعترف الحزب بأنه وراء العملية ومن ثم تخلية «الاشتراكي الفرنسي»، الامر الذي يعيد الى الذاكرة ما سبق لكثيرين من المسؤولين والسياسيين ان اثاروا تصرفات الحزب في اماكن سيطرته. ومن هؤلاء حليفه الشرس اليوم ميشال عون الذي قال في جلسة مناقشة البيان الوزاري يوم 29 تموز 2005 ما حرفيته «هناك محميات كثيرة لن احددها وهي تخفي كثيرا من المخالفين او الخارجين على النظام العام. ومهما كانت قدرات القوى الامنية وطالما ان هناك اماكن محجوبة عن انظارها ومراقبتها فستبقى هناك اشياء مخيفة تستعمل للجريمة او للمجرمين الذين يمكن ان يحتموا فيها او يخرجوا منها».
وبما ان عون قد غير رأيه ومفهومه وسياسته اخيرا لدواع شخصية، لا بد من تذكيره وتذكير حزب الله وغيرهما من خوارج المعارضة عن موقفهم الاستباقي في حال اعتمد طريقة الخطف او الاحتجاز حزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب وحزب الاحرار «بذريعة حماية امنهم الذاتي»، خصوصا ان الخطف عندها او الاحتجاز قد يطاول غدا زائرا سوريا او ايرانيا او قطريا مثلا؟!
مشكور حزب الله على انه يتصرف علانية في الامور الصائبة وفي غيرها، ربما لأن خصومه اعجز من ان يتصدوا له ولدولته؟!
اما غير المشكور فهو من يرى القشة في عين جاره ولا يرى الخشبة في عينه؟!