“أكذوبة”!!
ميرفت سيوفي
تعمّ موجة تفاؤل البلاد بأن شيئاً ما يحدث، وأن حائطاً مسدوداً ما يثقب، وأن الثالث عشر من أيار قد يُعتق لبنان من حال شلل الإستبعاد – وهذا شللٌ جديد لم تتوصل السياسة بعد الى اكتشاف اللقاح المناسب له – الذي أدخلته فيه المعارضة ومن يقف وراءها..
بالطبع هذه ليست أول “بخة” تفاؤل تقتحم الأجواء اللبنانية واحتمالات تكسرها على صخور حزب الله والجنرال البرتقالي واردة أكثر بكثير من تحوّلها الى حقيقة..
أغلب الظن أننا نعيش “أكذوبة” حقيقيّة اخترعها الرئيس نبيه بري وصدقها، وحملتها ألواح المعارضة على أمواج اتهام فريق 14 آذار بأنه وراء التعطيل، فهبّ هذا الفريق ليضع النقاط على الحروف حتى لا تصل فرحة المعارضة الى “قرعتها” بأن قانون العام 60 الانتخابي شتّت فريق السيادة والحرية والاستقلال..
وإذا أردتم التأكد من ان “بخّة” التفاؤل هذه ليست أكثر من “أكذوبة” أعيدوا الشريط الى ما قبل “أكذوبة” التفاؤل التي أطلقها الرئيس نبيه بري.
صدرت التهم بالجملة لسورية وإيران بتعطيل الانتخابات النيابية والتدخل في الشؤون اللبنانية.. هبّت “نجدة” الرئيس بري على اعتبار أن دوره لم يعد مقتصراً على بخ نسمات تفاؤل. فهو قد قصد مصر، ثم قطر حيث انتظر زيارتها لانشغالها باستقبال وزيرة الخارجية الاسرائيلية. ولم تحدد له السعودية موعداً، وقد خبرت “كشتبان” التفاؤل الذي استخدمه “بري” كثيراً حتى بارت بضاعته، منذ إعلان وقوفه وراء البطريرك الماروني فإذا به بطل عرقلة انتخاب رئيس…
وفي استعادة الشريط، تتراكم في خلفية المشهد عناوين ضاغطة بارزة، قد يكون أبرزها على الاطلاق الصور التي قيل أنها للمفاعل النووي والشريط الذي يظهر تعاون كوري شمالي – سوري، وحديث الوكالة الدولية للطاقة النووية عن بدء التحقيق في الأمر.. قد يكون هذا الموضوع الضاغط وبشدّة هو سبب بخّة التفاؤل في الأجواء اللبنانية، وإن صدّق كثيرون أحاديث السلام والمفاوضات والوساطة التركية، فهذه موجة تفاؤل أخرى تجتاح المنطقة هي عملياً المساهم الأبرز في ظهور تفاؤل ما على الساحة اللبنانية..
عملياً، أقرب اللحظات الى السلام هي أقرب اللحظات الى الحرب، حيث تتساوى الحظوظ فيهما بنسب متساوية.. ولا نظن أن اللبنانيين سيلدغون من جحر مرتين، ولا ان يصدقوا بخات التفاؤل الحوارية، “أكذوبة” جديدة الجميع محتاج إليها إقليمياً لإثبات أنهم لا يعطلون، ردّة فعل، أو مجرّد هجمة ارتدادية على الاجتماع الوزاري الدولي من أجل لبنان، كلام رئيس الوزراء القطري المفاجئ الذي فسّر المبادرة العربية بضرورة انتخاب رئيس فوراً من دون شروط…
“أكذوبة” تفاؤل ليست أكثر من التفاف على مجموعة تداعيات دولية تحتاج الشقيقة الى إظهار حسن نياتها تجاه لبنان، تضامناً مع “النيات” التي يريد الرئيس بري أن يسند “الزير اللبناني” بإعلانها…
أما “الأكذوبة” الكبرى الكونية التي قد يكتشفها المرء في لحظة ضعف ووهنٍ شديد، هو عندما يلمس أنه لا يعدو أن يكون هو نفسه “الأكذوبة” الكبرى. المرض يكشف هشاشة الإنسان، والضعف يجعله يتذكر حقيقة كونه من عدم أو العدم نفسه، في لحظة ألم شديدة اكتشفت أن السياسة مجرّد رقعة شطرنج وأن الجميع عليها مجرّد حجارة تنقلهم المشيئة الخفية التي لا نراها.. وعندها تأكدت ان فكر الانسان واهٌ.. وأنهم جميعاً “يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين” وأن “المكر السيئ يحيق بأهله”…
لذا.. أيها اللبنانيون لا تتفاؤلوا كثيراً، ولا تصدقوا بخّة التفاؤل، فهي لا تعدو كونها أكذوبة، والعقلاء من قبلنا قالوا: “من جرّب المجرّب كان عقلو مخرّب”.. لا تتفاؤلوا.. ولا تتشاءموا فقط، انتظروا.