#adsense

تفاوض لاقتسام لبنان و”تفاوض” لتوحيده…

حجم الخط

تفاوض لاقتسام لبنان و”تفاوض” لتوحيده…

جورج ناصيف 

 

يردّد المسؤولون السوريون، ومعهم الاعلام السوري الرسمي، السوفياتي اللغة والتكوين، في معرض الدفاع عن الاتصالات السورية – الاسرائيلية المتزايدة في وتيرتها، ان دمشق لن تفاوض سرا، ولن تفاوض مباشرة، بل عبر الوسيط التركي.
أقلّ ما توصف هذه الحجة انها صبيانية.


فمن قال ان الاعتراض، منذ كامب ديفيد كان حول سرية التفاوض او علنيته؟ من قال ان التفاوض العلني، حتى عبر وسيط، يقلّ سوءا عن التفاوض السري والمباشر؟
كل مشتغل بالسياسة يعرف ان الاعتراض الوطني والقومي كان على ثلاثة امور:


أولها ان كل تفاوض ثنائي مع اسرائيل، في غياب التنسيق اقلا، بين الدول المحتلة اراضيها (فلسطين، سوريا ولبنان) ينتهي حكما باتفاق ثنائي على حساب الطرفين الآخرين. وان الاندفاع في التفاوض الثنائي يسمح لاسرائيل بأن تلعب على تناقضات الواقع العربي، وان تمارس لعبة الابتزاز والتهويل من  اجل انتزاع تنازلات اكبر من الطرف المفاوض.


تلك لعبة اسرائيلية قديمة مورست مع ياسر عرفات ومع الاردن، ومع النظام السوري، ولان الانظمة العربية متهافتة على الاتفاق مع اسرائيل، يصبح سقوطها في الشرك الاسرائيلي اكثر يسرا.


في حقبة النهوض القومي، كان هناك رفض قاطع للتفاوض مع اسرائيل. ثم مع تدهور الواقع العربي، صار التنسيق بين الاطراف المفاوضين هو الحد الادنى الضروري، بعدما استحال تشكيل وفد عربي موحد يفاوض باسم الدول العربية المحتلة اراضيها. لكن التردي المتزايد في الواقع العربي بات يبيح التفاوض الثنائي في ظل غياب اية استراتيجية مشتركة، كما يبيح نشوء اشكال متعددة من التطبيع السياسي والاقتصادي مع اسرائيل.


ثانيها ان اختيار اللحظة السياسية للتفاوض امر غير ثانوي. وغني عن القول ان اللحظة الراهنة بالذات مؤاتية لاسرائيل، سواء بسبب تمتعها بدعم اميركي غير مسبوق يزداد جلاء مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في واشنطن، او بسبب تعثر المفاوضات الاسرائيلية مع السلطة الوطنية الفلسطينية، مما يدفع تل ابيب الى اختيار التفاوض مع دمشق، لاحراج الطرف الفلسطيني ولدفعه الى التراجع عن الحد الادنى من ثوابته الوطنية.


ثالثها ان دخول جميع الانظمة العربية في حلقة التفاوض مع اسرائيل، بات يحتّم الاقلاع عن الادعاء السمج والكاذب ان ثمة دولا “متعاونة” مع واشنطن ودولا “ممانعة”، وهو الادعاء الذي تستخدمه القوى الموالية لدمشق في صراعها اللبناني ضد قوى السلطة.


الجميع في السلة الاميركية، من غوطة دمشق حتى صحارى نجد. لا فضل لعربي مشرقي على عربي مغربي او عربي خليجي.


طرف عربي واحد، اذا فاوض، كان معذورا، في زمن الانهيارات العربية هو الطرف الفلسطيني. فهو يفاوض لينتزع بعضا من فلسطين التاريخية من جوف الحوت الاسرائيلي، قبل ان يبتلعها بالكامل، احتلالا وتهويدا.
اما الاطراف العرب الآخرون، فلماذا يبدون مستعجلين؟ ما الذي يدفعهم الى التماس التفاوض، علنا او سرا، مباشرة او بالواسطة؟
نسأل، والجواب واحد: من اجل ان تفتح لها ابواب واشنطن.


II

التفاوض السوري مع اسرائيل، خصوصا في هذه اللحظة، مريب وقبيح وضار بالقضية الفلسطينية.
اما “التفاوض” بين اللبنانيين، فهو خير في جميع اللحظات.
التفاوض السوري مع اسرائيل يخشى ان ينتهي مجددا الى تقاسم لبنان.
اما “التفاوض” اللبناني – اللبناني من خلال الحوار، فلا يمكن ان ينتهي الا باعادة توحيد لبنان على قاعدة اتفاق الطائف، لذلك لا “نختاره” فحسب، بل نرى اليه معبرا حتميا، وحيدا، الزاميا، مهما طال الطريق، لاعادة توحيد البلد، اي لقيامته.

المصدر:
النهار

خبر عاجل