تنشيط العمل البرلماني بين التجاذبات الدستورية ومسبّبات التعطيل والتأجيل واستمرار المحظورات
دعوة برّي لتفعيل اللجان اقتصرت على دعوات من نواب المعارضة والأكثرية لم تنتفَ مبرّراتها
دعوة برّي لتفعيل اللجان اقتصرت على دعوات من نواب المعارضة والأكثرية لم تنتفَ مبرّراتها
من المؤكّد أن الدخول في حيثيات أصول التعاطي داخل الندوة البرلمانية، يحتاج الى كثير من الاستناد الى النصوص والمواد القانونية حيناً، والشواهد النيابية حيناً آخر، لا سيما إذا حاولنا النظر بحيادية الى تاريخ الندوة النيابية، دون إغفال المتغيّرات السياسية التي لا بد وأن مرّت على المجلس النيابي منذ إنشائه· ومن البديهي القول أن اللجان النيابية تعد من بديهيات العمل البرلماني أو هي تأتي في عمق ترتيب البيت النيابي· فلا يمكن الحديث عن التشريع أو القوننة، إلا ونجد من الضروري المرور عبر المتفرعات والطرق الفرعية التي ستؤدّي الى الطريق الرئيسية، بمعنى آخر الهيئة العامة! وإذا كانت الوزارات التنفيذية هي التي ستترجم عمل الحكومة، فمن المؤكد أن اللجان النيابية هي الآلة التنفيذية لعمل أي ندوة برلمانية مهما صغرت في الحجم أو كبرت، كما هو الحال في الحكومة، أكانت مصغّرة أو موسّعة، تكنوقراط، أم سياسية، أم حكومة أقطاب· فالتسميات أو الحجم لا يلغي الهدف الرئيسي من التشكيل أو التأليف أو تولي السلطةّّ!
وعلى هذه القاعدة، حدّد الدستور اللبناني في مادتيه 16 و17 ما يلي: تتولى السلطة المشترعة هيئة واحدة هي مجلس النواب، في حين تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء· وهو يتولاها وفقاً لأحكام هذا الدستور· وإنطلاقاً من هذه القاعدة جاءت المادة 18 لتؤكّد القول أن “لمجلس النواب ومجلس الوزراء حق اقتراح القوانين· ولا ينشر قانون ما لم يقرّه مجلس النواب”·
وإستتباعاً، وكما تحدّد المادة 34 أصول الإجتماع داخل الهيئة العامة، حيث تنص على: “لا يكون اجتماع المجلس قانونياً ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلّفونه وتتخذ القرارات بغالبية الأصوات· وإذا تعادلت الأصوات سقط المشروع المطروح للمناقشة”· فإنه من المؤكّد أن الهدف ليس مجرد الإجتماع وإنما تنظيم الخارطة التي يجب أن تتبع داخل الندوة البرلمانية· وعلى هذا الأساس جاءت مهمة النظام الداخلي للمجلس النيابي، بشكلٍ يحدد جدول الأعمال إنطلاقاً من القانون الخاص الذي يرتب العملية القانونية للأصول البرلمانية·
وعلى هذا الأساس، يصبح الإستطراد التالي غير مستهجن: لو لم يكن الحضور داخل هذه الندوة إجباري لما كان المشترع أصر عليه بإشتراط عدد الأكثرية للحضور لإعطاء الصفة القانونية لأي إجتماع يعقد تحت قبة المجلس· وإستكمالاً لهذا، حدّد المشترع أصول التعاطي داخل اللجان النيابية، والتي إعتبرها بمثابة إلزام سنوي، لا يقل أهمية عن إنتخاب الهيئة العامة التي تعتبر بدورها السلطة المصغرة عن الهيئة العامة! وهذا الأمر حدده المشترع تحت الباب الأول من نظامه الداخلي وتحت عنوان – المجلس وإدارته وسير أعماله – وتحديداً في الفصل السادس والمتعلّق بتأليف وانتخاب اللجان· فالمادة 27 إشترطت على أنه في “الجلسة التي تلي انتخاب هيئة مكتب المجلس بعد الإنتخابات العامة، وفي بدء دورة تشرين الأول من كل سنة يعمد المجلس إلى انتخاب لجانه الدائمة· ويجري الانتخاب بالاقتراع السرّي وفقاً للمادتين 11 و12 من هذا النظام وبالغالبية من أصوات المقترعين· وإذا تساوت الأصوات عدّ الأكبر سناً منتخباً· أما المادة 28 فقد حدّدت ماهية اللجان الدائمة وعددها والعنوان الذي ستعمل تحته· ولو لم يكن لعمل اللجان أهمية قصوى لما إشترط المشترع على النائب عدم الدخول في عضوية أكثر من لجنتين دائمتين بما يتيح له التفرغ للعمل، بهدف تمحيص وتدقيق كل ما يحال الى اللجنة التي يعمل داخلها، سواء من إقتراحات تقدم من النواب، أو مشاريع تأتي من الحكومة·
وإنطلاقاً من قناعة المشترع بهذه الأهمية، وضع الأسّس التالية في النظام الداخلي في المواد التالية:
33 – لا يجوز الجمع بين عضوية اللجان وبين كل من رئاسة المجلس أو نيابة الرئاسة والوزارة·
38 – لا تكون جلسة اللجنة قانونية في الجلسة الأولى إلا بحضور أكثر من نصف الأعضاء، أما في الجلسات التالية، فتكون الجلسة قانونية للنظر بجدول أعمال الجلسة الأولى على أن لا يقل عدد الحاضرين عن ثلث عدد أعضاء اللجنة·
40 – يحق للجان المجلس أن تطلب إلى الوزير المختص تزويدها بالمستندات والوثائق والمعلومات التي ترى الاطلاع عليها·
– إذا تمنع الوزير عن إجابة الطلب وجب رفع الأمر إلى رئيس المجلس الذي يرفع الموضوع على المجلس في أول جلسة ويعطيه الأولوية على سائر الأعمال·
41 – لكلّ نائب حقّ حضور جلسات اللجان ولو لم يكن عضواً فيها، وله أن يناقش المواضيع المطروحة على البحث وأن يبدي رأيه، وأن يتقدم بإقتراحات وبتعديلات كسائر أعضاء اللجنة غير أنه لا يحقّ له الإشتراك في التصويت·
46 – على اللجان أن تنهي دراستها وترفع تقاريرها في المشاريع والإقتراحات وسائر المواضيع المحالة عليها في مهلة أقصاها شهر اعتباراً من تاريخ ورودها· أما المشاريع المستعجلة فيجب إنهاء درسها ورفع التقرير بشأنها خلال أسبوعين على الأكثر، وفي نهاية هذه المدة يطرح رئيس المجلس المشروع على اللجان المشتركة، أو على المجلس سواء انتهت اللجنة من درسه أو لم تنته· 47 – إذا كان المشروع أو الاقتراح يدخل في اختصاص أكثر من لجنة فلرئيس المجلس أن يدعو اللجان المختصة الى اجتماع مشترك برئاسته أو برئاسة نائبه لدرسه ووضع تقرير واحد بشأنه، أما إذا كانت كل لجنة قد درسته على حدّة ورأت الرئاسة تبايناً في النصوص المقترحة قد تؤدّي الى تعقيد في المناقشة والتصويت في الهيئة العامة، وجب اجتماع اللجان المختصة بلجنة واحدة مشتركة برئاسة رئيس المجلس أو نائبه لإعادة الدرس ووضع تقرير موحّد·
ولرئيس المجلس أن يعرض أي موضوع على اللجان المشتركة عفواً، أو بناء على طلب خمسة نواب على الأقل، وللجان وضع الاقتراحات وإصدار التوصيات اللازمة·
49 – يجب أن يتضمن تقرير اللجنة مختلف وجهات النظر والآراء التي عرضت في اللجنة·
وعلى هذا الأساس، فإن القول أن اللجان “مقبرة المشاريع” لا يصح إلا في غياب التوافق السياسي، لأن اللجان تعتبر بمثابة الطريق الفرعية التي تمهد الى الطريق الاساسية، ومع أنعدام هذا التوافق، فإن كل المبرّرات تصح، ومع وجوده تنتفي هذه المبرّرات حتى ولو كانت أمنية أو سياسية أو دستورية!
إذا لا بد من القول، ان ما طرحه الرئيس نبيه بري عن تفعيل عمل المجلس في المؤتمر الصحافي الذي عقده في المجلس النيابي، قبيل الإعلان عن تأجيل جلسة 22 الحالي، والذي إجتمعت أمانات سرّ كل اللجان النيابية مع أمين عام المجلس عدنان ضاهر في اعقابه لتعلن الجهوزية الإدارية في حال تقرر تحديد مواعيد لإنعقاد اللجان، يبقى رهن أمرين: الأول اجتماع اللجان بناءً على دعوة مسبقة من رؤسائها، والثاني إنتفاء الظروف المسبّبة للإنقطاع السابق عن الإجتماع· وهنا، نعني الأسباب الأمنيّة، والسياسية (أي المواجهة المباشرة بين المعارضة والموالاة من جهة، ورفض رئيس المجلس إحالة اي مشروع يأتي عن طريق الحكومة الحالية، أو اقتراح نيابي قد يحتاج الى حضور حكومة الرئيس فؤاد السنيورة من جهة ثانية)·
وعليه، وفي ظل هذه الوقائع، نجد من الضروري ان نقدم جردة سريعة عن تعداد المشاريع والإقتراحات التي تنتظر الإفراج عنها سواء ما هو موجود منها في الأدراج لأسبابٍ سياسية او قانونية من العهود السابقة، او ما هو معلّق لأسباب تتعلق بالحكومة الحالية·
يبلغ عدد المشاريع والإقتراحات التي لم تر النور منذ العام 1999 “173” لأسباب سياسية أو قانونية بحتة· اما الإقتراحات التي لم تبلغ بعد الصيغة القانونية منذ العام 2000 “58” درست بعض اللجان المختصة بعضها او معظمها، ووصل بعضها الى اللجان المشتركة منذ العام 2004· في المقابل، ومنذ العام 2007 تقدم النواب بإقتراحات قوانين الى رئاسة المجلس، وصل عددها الى 41 إقتراحاً لم يكتب لها الوصول الى الهيئة العامة بسبب العلاقة غير السويّة بين الحكومة الحالية ورئاسة المجلس حيث تستتبع المناقشة حضور الوزراء المختصين او المدراء العامين إما للتدقيق او التبني او رفض المشروع او الإقتراح بالمطـلق·
طبقاً لذلك، فإن من أهم المشاريع او الإقتراحات التي لا تزال عالقة، مع الأخذ بالإعتبار الإتفاقيات والمعاهدات الدولية التي يسقط بعضها مع مرور الزمن، هي: أحكام الضمان، التعاقد، التعاضد، تعديل قانون المحاسبة العمومية، أملاك البناء،
خصخصة إهراءات القمح في مرفأ بيروت، تمويل قروض خارجية من وزارة المالية، تعيين موظفي الفئة الأولى، تنظيم المهن الحرة، قانون الإستملاك، تسوية مخالفات البناء، التفتيش المركزي والهيئة العليا، قانون البلديات، قانون الايجارات، تنظيم وزارة الثقافة، العلاج النفسي، حقوق الطفل، نظام الموظفين، حظر الإستغلال الشخصي للتعامل المالي، إحداث مديرية الدين العام في المديرية العامة لملاك وزارة المالية، فتح إعتمادات لوزارات وبلديات·
وعليه، فإن تفعيل عمل اللجان النيابية، وكما وعد الرئيس نبيه بري، يبقى رهن التطورات السياسية في الأيام المقبلة، لا سيماعلى محور العودة الى جلسات الحوار التي دعا إليها رئيس المجلس، وتنتظر التجاوب سواءً على محور الأكثرية أو المعارضة·
فهل تبيح المبرّرات الحوارية، المحظورات الدستورية لدى الرئاسة المتعلقة بـ”شرعية الحكومة الحالية” بمعنى قبول حضورها في جلسات اللجان، ام ان هناك صيغة أخرى لحل هذه المعضلة، من خلال إستبدال حضور الوزراء المختصين بالمدراء العامين؟ وفي هذه الحالة، ما هو مصير هذه المشاريع والإقتراحات؟ ام ان الهدف تسهيل وتفعيل العمل البرلماني، تحضيراً لمتغيّرات سياسية على خط الحكومة، بشكلٍ يؤسس لقوننتها في الهيئة العامة مع حكومة تنال الرضى السياسي في وقت لاحق؟ الرد على هذه التساؤلات ستحمله التطورات السياسية في الأيام المقبلة، كي لا تدور هذه السلة من المشاريع والإقتراحات في حلقة مفرغة، دون ان تبصر النور القانوني في الجريدة الرسمية·
وما يؤكّد هذه المقولة، ان الرئيس بري دعا رؤساء اللجان النيابية الى البدء بعمل اللجان، وتوجيه الدعوات الى النواب الأعضاء الى حضور الجلسات، فجاءت النتيجة الفورية بتجاوب نواب المعارضة، حيث وجهت دعوة للجان: حقوق الإنسان (فوجه النائب ميشال موسى دعوة لجلسة اليوم)، الإعلام (فوجه النائب حسن فضل الله دعوة مماثلة ليوم الإثنين المقبل)، الشباب والرياضة (ووجه النائب ابراهيم كنعان دعوة للنواب لجلسة الثلاثاء المقبل)· كما دعا رئيس لجنة المال النائب سمير عازار الى جلسة الأسبوع المقبل في حين دعا رئيس لجنة الشؤون الخارجية الى جلسة في 7 أيار·
هذا التطوّر في مقابل غياب أي دعوة مقابلة من قبل نواب الأكثرية، على الأقل لغاية الأمس، يثبت مقولة ان المبرّرات السياسية والأمنية لم تنتف بعد·