… ونِعْمَ القيادة !
كانت لقوى 14 آذار نظرتان الى مبادرة الرئيس نبيه بري التي اعلن فيها انه يكتفي بحوار يصدر عنه اعلان نيات حول بندي النسب الحكومية والدائرة الانتخابية. الاولى اعتبرت ان هذه المبادرة محاولة سورية للتخلص من بعض الضغط، وبالتالي يجوز ان تكون في الأمر جدية. ولذا وجب التواصل مع الرئيس بري للاطلاع على حقيقة الأمر، ورؤية ما اذا كان مكلفاً التوصل الى حل، او انه مكلف مناورة. اما الرأي الثاني فهو ان المسألة مناورة سورية كلف الرئيس بري ترجمتها لبنانياً في الوقت الذي كان ينعقد فيه اجتماع "اصدقاء لبنان" في الكويت، والغرض منها تحويل "الصورة" الى داخل لبنان. وهذا ما يفسر مسارعة الرئيس بري الى تهيئة طاولة الحوار في المجلس واستدعاء الاعلام المحلي والعربي لتصوير الطاولة تحت شعار الحل اللبناني – اللبناني، للقول للعرب والعالم ان الازمة محض لبنانية، وان اللبنانيين سيجتمعون ثم ينفرط عقدهم بفعل الخلافات التي لا تلبث ان تشتعل على الطاولة.
لماذا مناورة النظام السوري؟
للأسباب الآتية:
– بلوغ الضغط العربي والدولي على النظام السوري حدودا قصوى مع فشل القمة العربية في دمشق.
– المواجهة غير المسبوقة تاريخياً بين المملكة العربية السعودية وسوريا، والتي لا تعادلها المواجهة التي دارت بين السعودية ايام الملك فيصل ومصر ايام الرئيس جمال عبد الناصر. وهذا الأمر بالغ الخطورة، اذ ان الرياض كانت تؤمِّن مدى العقود الثلاثة الماضية شبكة الامان العربية لنظام دمشق.
– اجتماع "اصدقاء لبنان" في الكويت الذي ضم شرعيتين عربية ودولية، بما فيها روسيا، تحت سقف واحد بينما جرى استبعاد سوريا الدولة العربية المشرقية المفترض انها مركزية.
– افتراق حلفاء اساسيين عن دمشق، ولاسيما عند مسألة اولوية انتخاب الرئيس الجديد (العماد ميشال سليمان).
– اثارة الملف النووي الكوري الشمالي من زاوية سورية مع جلسة الكونغرس الاميركي التي خصصت اخيراً لموضوع قصف المنشأة النووية السورية في دير الزور، الأمر الذي يشكل تطوراً كبيراً يشبه مساره في نواح عدة مسارات الحصار على كوريا الشمالية، والعقوبات المتدرجة على ايران، وتذكر في بعض ملامحها مسار التدرج نحو الحرب مع العراق.
هذه عناصر مقلقة جداً للرئيس بشار الاسد في مرحلة يحاول فيها اجهاض قيام المحكمة الدولية من جهة، والامساك بلبنان عبر حلفائه ثأراً للخروج القسري الذي فرض عليه عام 2005.
وعليه يناور الاسد في مستويات متعددة:
– تبرئة اي جهة عربية من تهمة اغتيال القيادي في "حزب ولاية الفقيه" عماد مغنية.
– الاشارة الى أنه سيستخدم "هالة" رئاسة القمة لزيارة القاهرة والرياض، وقد جاءه الرد السريع من وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل نافياً علمه بزيارة مرتقبة للأسد للعاصمة السعودية.
– تحريك المسار السوري – الاسرائيلي بقوة، والذهاب الى حد اعلان الرئيس السوري شخصياً عبر الاعلام عن مسار تفاوضي بواسطة تركيا، وهذا في ذاته سابقة في تاريخ الاتصالات السورية – الاسرائيلية السرية التي لم تتوقف يوما، حتى في ايام الرئيس حافظ الاسد، لكنها تكثفت في عهد الاسد الابن الذي حالت مصالح اسرائيل الأمنية دون الاجهاز على نظامه عام 2005 في اوج ازمته اثر الخروج من لبنان.
بناء على ما تقدم ثمة من يرى ان الرئيس السوري سيحاول الذهاب ابعد على المسار التفاوضي مع اسرائيل، لكنه يدرك ان ثمة اثماناً مطلوبة منه عليه ان يسددها، و"الطبق الرئيسي" على حد قول خبير استراتيجي سيكون رأس "حزب ولاية الفقيه". والحزب يعرف ذلك تمام المعرفة. لذا ثمة من يصف اغتيال عماد مغنية بأنه "مقبلات" المسار التفاوضي السوري – الاسرائيلي، والغاية من تقديمها افهام اسرائيل جدية الطرف السوري. وجدية الأمر تكمن في جانب منها في خطورة المرحلة في المنطقة ككل، في ضوء ما قيل عن ابلاغ الرئيس المصري حسني مبارك رسالة اسرائيلية الى السوريين مفادها ان اي عملية او خطأ يرتكبه "حزب ولاية الفقيه" ستترتب عليه نتائج خطرة تصل الى عمل عسكري شامل ضد سوريا تحميه قوات حلف شمالي الاطلسي في شرق المتوسط.
استنتاجاً، تسعى سوريا الى كسب الوقت وإمرار الصيف الحار ريثما تدخل الادارة الاميركية طور الغيبوبة الانتخابية ثم الانتقالية بين عهدين. اما "حزب ولاية الفقيه" فموقفه صعب، وهو يرغب ربما في حلحلة مؤقتة لبنانياً، لكنه لا يريد خسارة الجنرال ميشال عون الذي وان يكن يعاني نزفاً شعبياً ومعنوياً حادين، فانه لا يزال يؤمّن لمشروع الحزب الابعد تغطية مسيحية. والحزب لن يفرط بورقة عون الا لقاء ثمن كبير يحصله من الغالبية اللبنانية. وهذا ما لن يحصل عليه في المدى المنظور نظراً الى اقتناع النسيج اللبناني الاوسع بأن مشروع "حزب ولاية الفقيه" يمثل النقيض القاتل للكيان اللبناني بنظامه وصيغته، ونمط الحياة فيه.
تبقى مبادرة الرئيس بري التي تدرك الغالبية بمختلف قواها انها لا تعكس حراكاً لبنانياً، ولا متميزاً في النطاق الشيعي كما يؤمل، انما هي وجه من أوجه حراك النظام السوري الذي نجح رئيسه الابن في جعل سوريا احدى الدول الثلاث مع كوريا الشمالية وايران الاكثر عزلة ونبذاً على وجه المعمورة.
… وهنا لا يسعنا الا القول: ونِعْم القيادة، والأداء، والعهد!