عندما تعود
قبل ان توضب حقائب السفر لتأتي الى لبنان، يودعونك بالقول" نيالك خدنا معك، حطنا بالشنطة"……وعندما تبدا الطائرة بالتحليق فوق الارز متجهة الى مدرج المطار وتستعد للهبوط في دقائق تحسبها ساعات، ينتابك شعور لا تعرف كيف تفسره …..تطل على الاهل المنتظرين، ولا بد من "حفلة" دموع طبيعية خلال اللقاء…..دموع اشتياق وفرح ….
وعندما تبدأ باستقبال ألاقارب والجيران للتهنئة بالعودة بالسلامة ….تلقائيا يبدأ حديث السياسة تسبقه "سحبة نق من الوضع في لبنان وشو جايي تعملي والوضع بيقرف ودبريلنا شي حتى نفل"…وتحور وتدوروتخبرهم عن الصعوبات ايضا في الخارج وما يواجهك ايضا لتأمين حياة كريمة …… ويعود حديث السياسة الى الواجهة….وهنا الاثارة والتشويق…
تركت احد اقاربي مثلا يكره الدكتور سمير جعجع ليقول لي انا بحترمو بس مش معناتا انا مع ميشال عون…..عمتي التي تخانقنا معها من زمان عندما اتت لزيارتنا يوم 13 تشرين 1990 باكية على رحيل عون ملقية اللوم على القوات….تقول لي اليوم مش معقول شو عمل عون خربنا مش معقول كيف عمل هيك وخدعنا….ثم ياتي الجيران فينبهونني اهلي ان عائلة منهم ما زالت مع عون واضافت الى اللائحة حزب الله وطلال ارسلان ويشاهد افراد هذه العائلة كل الاقنية الا تلفزيون الحريري كما يسمونه..واكثر هناك فتاة جامعية مثقفة من العائلة تنصح بتعلم اللغة الايرانية…ولا تعرف انها تسمى فارسية….هي فقط تسمع بايران…المهم نصحوني.الا اتحدث معهم في السياسة توفيرا لسمة بدن بسبب السطحية وبلا خناقة (الجار قبل الدار) ….
ويوم اخر، المزيد من الزوار والوجوه وتقول لي احدى القريبات انا مع القوات ولكن امي تحب الجنرال فاسال لماذا فتقول لانه توجد قربى…… لا اعرف مدى هذه القربى من ستو او من جدو…..وفجأة يطل عون على الشاشة ليقول انه يتمنى زيارة سوريا وهذا امر عزيز عليه، فتنتفض احدى القريبات لتقول "كيف امك بعدها معو مش سامعة شو عم يقول مش ضيعان الشهداء بالجيش بضهر الوحش.. لا ادري لماذا تذكرت فقط ضهر الوحش….وتقول اخرى يا عمي سمير جعجع محترم حالو ولا مرة طلع وسب بحدا بيحكي سياسة "هذه نفسها التي تخانقنا معا يوم 13 تشرين"..ويقول زوجها الذي يبدو انه لعب دورا في تغيير نظرتها تجاه القوات ويقول بدك للحقيقة كل المشكلة من سوريا وهلق اجانا ايران كمان…
وبين راي من هنا وراي من هناك اكتشف ان هناك اجماعا من الحاضرين الكرام" والله القوات الوحيدين اللي ما غيروا موقفن وكلن اكتشفوا انو كان معن حق بموقفن من سوريا واجوا هني لعندن ……
.واسأل عن الجنوب وضيعتي وبطبيعة الحال الاقارب من الجنوب ايضا فيقول لي احدهم" بالجنوب ما في الا حزب الله…..وعا اول الضيعة في علم كبير للحزب ووووووووالف خبرية ما بينحكوا…..وتسأل اخرى يا عمي معقول كيف صاروا البعض مع السيد حسن نصرالله…
وينتفض اخر ويقول كل الوضع الاقتصادي العاطل من ورا هالحرب يلعن ساعتها…..ويتمنى اخر ويقول انشالله ما يخربو الصيفية هالسنة لانو معودين كل صيف في الو قرص وقرصة، وكأنو اختصاصن يدمروا موسم الصيف….وكلام وكلام وحكي لا ينتهي…..وعلى رأي اغنية فيروز اشيا انقالت واشيا ما انقالت وبعدها ورا الدمع مخباية…
شو في ورا الدمع هذا ما استطيع ان اقوله انا الاتية من خارج لبنان …وراء الدمع هناك تحد للاستمرار والبقاء…هناك دعوة للصمود في وجه من يريد بلع لبنان…. هناك غصة "حرام يعملوا هيك بلبنان اجمل بلد بالعالم…… بس يتركو يعيش…..
واتذكر الطائرة وهي تحلق فوق لبنان لالخّص هذا الشعور…
.تخاف ان تمضي اياما وسنينا طويلة في بلد اخر ولا تحس ابدا بالانتماء اليه….وتخاف انه كلما طال البعد عن لبنان تشعر بغربة عندما تعود اليه…..ولانك من مؤسسة القوات اللبنانية تكسر فورا الشعور الثاني وتصرخ باعلى صوت هذا هو وطني……بكل ما فيه من جمال وقبح …..هذا هو بلدي فيه ولدت فعلى الاقل لنحافظ عليه حتى نعيش فيه…..الى هنا انتمائي…..