#adsense

أين الضباط الاربعة من تمرد سجن رومية…. جرس انذار مبكر لقنابل موقوتة

حجم الخط

أين الضباط الاربعة من تمرد سجن رومية…. جرس انذار مبكر لقنابل موقوتة

في وقت كانت فيه الانفاس محبوسة كسلك مشدود، وقع التمرد في سجن رومية، وحامت حوله الاسئلة هل هو حادث عفوي ابن ساعته ام انه مدبر؟! لأنه حدث في ظل حمأة التوتر السياسي والامني، متزامناً مع معلومات عن نية السلطة نقل الضباط الاربعة المعتقلين في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، اللواءين جميل السيد وعلي الحاج والعميدين مصطفى حمدان وريمون عازار، الى سجن القبة في طرابلس، وفي ظل حملة مدروسة ومنظمة، اخذت منحى تصاعدياً من سياسيين وتيارات تطالب بإطلاق سراح الضباط، لم تقتصر على التصريحات والبيانات والمؤتمرات الصحافية، بل توسعت لتشمل تنظيم المهرجانات ووصف الموقوفين بأنهم معتقلون سياسيون او مخطوفون، مع الاشارة الى حديث الوزير السابق وئام وهاب عن ((إمكان حصول تجمعات شعبية في قصر العدل وسجن رومية تهدف الى اطلاقهم وهو الامر الذي سيمثل انتكاسة امنية لا يقدر احد على تحملها)).. وتصاريح من داخل السجن للواء السيد، وتهديدات علنية لقوى المعارضة تطال القضاة والقضاء والاعتداء الذي حصل على منـزل القاضي رالف رياشي.

كل هذه المعطيات جاءت على وقع معلومات اكيدة ترددت منذ شهر ونصف الشهر في اروقة قصر العدل عن محاولة اخلاء سبيل اثنين من الضباط هما اللواء السيد والعميد عازار لعدم وجود ما يدينهما من شبهة جنائية على ان يحدد مكان اقامتهما، وان يبقى العميدان حمدان والحاج قيد التوقيف لوجود شبهة جنائية نتيجة العبث في مكان الجريمة في حال اطلاق السيد وعازار وهي اثارة نعرة طائفية تطال الطائفة السنية، اذ كيف يتم اطلاق سراح اثنين من الموقوفين (الشيعي والمسيحي) والابقاء على السنيين الآخرين؟!

ويؤكد مصدر مطلع هذه المعلومات، وبأن عملية الاطلاق كانت على وشك ان تتم وكانت الاستعدادات جاهزة، لكن ما اوقفها هو ان عملية اطلاق السراح بحاجة الى توقيع النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا وقاضي التحقيق العدلي صقر صقر..

كل هذه الاجواء ما بين شد وجذب، تزامنت مع تمرد سجن رومية الذي اعتبره رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط انه ربما يكون مقدمة لتمرد اوسع في محاولة لاطلاق سراح الضباط او تهريبهم، وذكر جنبلاط بأنه كان قد نبه الى ذلك وانه يدق ناقوس الخطر من جديد وقبل فوات الاوان

والبناء، كما بات معروفاً، حيث وقعت عملية التمرد هو مبنى المحكومين الذي يضم نحو 800 سجين وان حوالى 70 منهم شاركوا في حركة التمرد، ويبعد عن المبنى الذي يضم الضباط الاربعة حوالى مئة متر، وربما يكون ملف هؤلاء الضباط والذي تضطلع به المؤسسة الامنية في لبنان من اكثر الملفات تعقيداً وخطورة في لبنان وفي تاريخ هذه المؤسسة.. هذه المؤسسة والتي كلما احرزت تقدماً كلما تضاعفت الحملة عليها، من حجز لعناصرها او لخطف احدهم، وكأن المطلوب هو كسر شوكة رجل الامن وتحطيم هيبته امام المواطنين ضمن الخطوة الاكبر والتي تهدف الى تحطيم هيبة الدولة فرجل الامن هو ((ابن الدولة)) في التعبير العامي اللبناني، وجاء حادث التمرد داخل سجن رومية ليضع هذه المؤسسة على المحك حيث اتسم الاداء مع المتمردين بعدم الانفعال او رد الفعل بل التصرف بحكمة.

وكان تخلل حركة التمرد احتجاز رتيب وعريف وخمسة مجندين من قوى الامن الداخلي بعد مشادة كلامية وقعت بين الرئيس المناوب وأحد المساجين، استدعت حضور مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي جان فهد وقائد الدرك العميد انطوان شكور ومن ثم المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي الى السجن لمفاوضة السجناء على مدى تسع ساعات، بعد ان اقدم المتمردون على اشعال النيران بأغراضهم، انتهت بإطلاق سراح الرهائن من دون عنف، وكان اللواء ريفي اعلن ان لا شيء يدل على وجود امر مدبر اكثر من المطالب التي تقدم بها السجناء، وأشار اللواء ريفي الى ان المؤسسة الامنية لن تقف مكتوفة الايدي اذا تطورت الامور، وشكلت خطراً على سلامة الضباط واذا حصلت أي محاولة لاخراجهم فسيتم اتخاذ تدابير احتياطية ومنها امكان نقلهم الى سجن القبة في الشمال.

قادة التمرد

هذا التمرد سلط الضوء على حالة السجون في لبنان والذين قادوا هذه الحركة هم الفلسطيني المقيم في لبنان يوسف شعبان والمحكوم عليه بالاعدام المخفف الى السجن المؤبد بتهمة اغتيال الدبلوماسي الاردني عمران المعايطة عام 1994، وكان متهمون آخرون بالجريمة نفسها حوكموا في الاردن ونفذت في حقهم عقوبة الاعدام، وما يزال شعبان ينفذ محكوميته في سجن رومية بعدما رفضت له ثلاث مراجعات تقدم بها امام القضاء اللبناني لاعادة محاكمته وأخرى وجهها الى رئيس الجمهورية السابق اميل لحود ووزير العدل وذلك بحجة ان الحكم الصادر من المجلس العدلي مبرم وان شعبان اعترف خلال محاكمته بالتهمة الموجهة اليه، ويحتل شعبان في السجن مركزاً يخوله تسيير شؤون المساجين الفلسطينيين حتى ان بعضهم يشبهه بأنه رئيس الجالية الفلسطينية في السجن، وهو مدعوم من المجلس الثوري الفلسطيني وعاد وتعاون مع قوى الامن لجهة المفاوضات مع السجناء.

الشخص الثاني من المتمردين هو باسم العلايلي وهو لبناني من اصول بدوية، وهو شخص خطير وليس كالسجناء العاديين يمضي في السجن عقوبة عشر سنوات، امضى قسماً كبيراً منها، محكوم بقضايا سرقة سيارات، وهذه ليست المرة الاولى التي يقود فيها العلايلي مثل هذا التمرد، اذ عندما كان النائب ميشال المر وزيراً للداخلية وقام بزيارة السجن واجهه العلايلي وقسم من المسجونين وحاولوا التعرض للوزير والعلايلي شخص عصبي جداً وقد يبقر بطنه بسكين او بشفرة او بأي آلة حادة تصل الى يده، وهو يعشق رؤية الدم، ولديه شهادة طبية تفيد انه غير مسؤول عن بعض الاعمال التي يقوم بها، وقد يكون بقية السجناء شاركوا في هذا التمرد خوفاً من بطش العلايلي بهم في حال عدم مشاركتهم.

المتمرد الثالث هو حسين علام دخل السجن لقتله احد عناصر قوى الامن في بلدة بريتال، وهو كالعلايلي من مافيا سرقة السيارات.

ويشكل هؤلاء الثلاثة نواة التمرد، وهم مفاتيح السجن، كما يحلو للبعض وصفهم، وهم يقومون بضبط المتمردين، بينما يتولى شعبان معالجة شؤون المساجين الفلسطينيين والضباط يقومون بمهمات اخرى كالاشراف على المقابلات بين المساجين وأهاليهم وبيد الواحد منهم ان ينهي هذه المقابلة ساعة يشاء، ويطلق على هذه الشخصية لقب ((شاويش الغرفة))..

ويشير مصدر مطلع الى الحكمة التي عالج بها اللواء اشرف ريفي القضية وكان على مستوى المسؤولية اذ عالجها بحنكة ومنطق رغم صعوبة محاورة السجناء، لأن استعمال القوة لا يوصل الى نتيجة بل الى مزيد من التعقيدات، وخصوصاً في حال سقوط ضحايا من الرهائن او السجناء، وان اللواء ريفي استطاع ان يجتاز هذا ((القطوع)) بسلام.

جغرافية رومية

وسجن رومية يبعد ما بين 8 و9 كلم شمال شرق بيروت وهو الاكبر في لبنان ويتكون من خمسة مبانٍ، يحتجز في احدها موقوفو جماعة ((فتح الاسلام)) التي خاضت في الصيف الماضي معارك استمرت شهوراً ضد الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان، ومبنى يعتقل فيه الضباط الاربعة، سعة السجن لا تتعدى 1550 سجيناً ورغم ما اضيف عليه من مبانٍ جديدة زيدت عليه منذ افتتاحه عام 1970 فإن المديرية العامة لقوى الامن الداخلي حددت سعته القصوى عام 2003 بثلاثة آلاف سجين والزنزانه التي كانت مصممة لاستيعاب سجين واحد تضم 4 الى 6 سجناء، التي صممت لاستيعاب خمسة تضم من 8 الى 12 سجيناً، ويقع السجن فوق رابية على مساحة 140 ألف متر بعلو 300 متر عن سطح البحر، ويضم السجن الآن 4800 سجين باحصاءات غير دقيقة من اصل 6400 سجين في كل السجون اللبنانية فالعدد يتأرجح بين الزيادة، والنقصان حسب التعداد اليومي بين الوافدين اليه والخارجين منه.

الشعار المرفوع للسجون انه تأهيل واصلاح أي اعادة تأهيل للسجين لحين عودته الى مجتمعه واصلاح حاله الى الافضل، انما في الواقع السجون مغايرة تماماً لما هو عليه الوضع حسب ما نقل عن حالة اكتظاظ وحشر للمساجين في مساحات ضيقة دون أي فرز للنـزلاء حتى بات البعض يتخوف من ان السجن قد يخرّج مجرمين لا تائبين نتيجة ما تعانيه هذه السجون من مشاكل ولعل اهمها الافتقار الى المساحات الصحية وغياب التهوية وكثرة عدد الموقوفين ويبلغ عدد الموقوفين الاجانب ثلث عدد المساجين ويمكن التخلص من هذه الاعداد من خلال ترحيلهم حتى ولو على نفقة الدولة، لأن بقاءهم في السجن مكلف اكثر من ترحيلهم.

الأقسام داخل سجن رومية مجزأة الى اجنحة، وكل جناح يتألف من طوابق تتوزع فيها الزنازين والتي تفوح منها روائح العفن والرطوبة وأشباه حمامات في كل زاوية من كل غرفة الفرش صغيرة تتكدس وترتفع في الزوايا لا مكان للنوم الا كما يقال عبر التسييف (أي النوم كالسيف على الجنب وكعب ورأس).

وكانت مطالب المسجونين تدخل في اطار تحسين وضع السجن عموماً لناحية الاكتظاظ وعدم توافر الشروط الحياتية اللائقة وتحسين المواجهات العائلية واستكمال تركيب الآلات الهاتفية والتوسط لدى المراجع ذات الصلاحية لتطبيق قانون تنفيذ العقوبات خصوصاً لجهة جعل السنة القضائية تسعة اشهر..

الجمعيات الأهلية المعنية بحقوق الانسان ورعاية السجناء كان لها تحركها على الساحل قبل وبعد التمرد ومن هذه الجمعيات ((عدل ورحمة)) حيث افادنا مؤسسها ورئيسها الأب هادي عيّا ان ما حدث في سجن رومية كانت له اسباب مباشرة واخرى غير مباشرة، فالأسباب المباشرة هي ما تحدث عنها بيان قوى الامن من شجار واحتجاز رهائن، وربما تكون هي نقطة الماء التي طفح بعدها الكوب، اما الاسباب غير المباشرة فهي وضع السجين الملقى على كاهل قوى الامن غير المتخصصين لأن قوى الامن همهم في المقام الاول الحفاظ على الامن بينما حاجيات السجناء المدنيين متنوعة ومتعددة، رغم ان هناك معتقلين من مقاتلي ((فتح الاسلام)) الا ان قوى الامن استطاعت ان تتعامل معهم كمدنيين وليس كمقاتلين او سجناء حرب. اذن حاجيات السجين غير الامن، هي نفسية وصحية واجتماعية وروحية وحقوقية وثقافية كي ينطلق بعد خروجه من السجن الى الحياة بشكل طبيعي، الى جانب ان السجناء يعانون في الداخل من التقسيمات فمنهم الفقير ومنهم الغني ومنهم القوي ومنهم الضعيف ومنهم المثقف وآخر الأمي وهناك المريض والسليم.. فهو مجتمع مصغر عن المجتمع الكبير، لذلك لا نستطيع تحميل قوى الامن اكثر من قدرتها، ونتمنى ان تنقل ادارة السجون الى وزارة العدل.

اما عن عمل جمعية ((عدل ورحمة)) داخل السجن فيقول الأب عيّا: لدينا فريق عمل كبير من جميع الاختصاصات، اطباء ومعالجون نفسيون ومحامون ومرشدون اجتماعيون.. لأن السجين عندنا وكأنه مهمل ومنسي من مجتمعه، وكأن المجتمع يخاف منه بينما السجين انسان وليس مجرد رقم وهؤلاء ليس باستطاعتنا نسيانهم والا كسّروا العالم عند خروجهم، يجب ان نكون مسؤولين عنهم، وطالما بقيت الاوضاع في السجون على ما هي عليه، فنحن ننتظر في كل لحظة ان يحدث انفجار.

ويتابع الأب عيّا: اضافة الى مشاكل السجناء اللبنانيين، هناك مشكلة السجناء الاجانب، فهذا ايضاً انسان وله حقوقه الانسانية الكاملة كأي سجين لبناني ولدينا برنامج خاص للسجناء الاجانب بالتعاون مع جمعية اطباء العالم، فالكثير منهم يعانون من مشاكل فلا يوجد من يزورهم او يسأل عنهم وهم الفقراء والضعفاء داخل السجن وبتعبير اصح ((مكسر عصا)) فيقومون بجميع انواع الخدمات، فأول اهدافنا الدفاع عن حقوق الانسان الموجود خلف القضبان ولدينا فريق عمل متكامل ودائم داخل السجن نؤمن خدمة الاستقبال، فكل السجناء الجدد نستقبلهم ونملأ لهم الاستمارات وحسب قدراتنا نؤمن لهم الخدمات الصحية او توكيل محام ونتابع اوضاعه الاجتماعية مع أهله ومع اهل الضحية ونحن كجمعية لا نستطيع قضاء حاجيات كل السجناء، فنحن نعمل مع وزارة العدل وجميعة (UNODC).

وختم الأب عيّا كلامه قائلاً: يجب ان لا نلوم رجل الأمن الموكل بحراسة السجن لأن العناصر تنفذ الاوامر وامام أي خطأ ينالون عقابهم كما ان اعدادهم قليلة بالنسبة لعدد السجناء فهناك 250 عنصراً مولجين بحراسة اربعة آلاف سجين وموقوف، هذه المسألة يجب تسليط الضوء عليها، والمساعدة تكون بتعزيز مؤسسات الدولة بشكل متكامل فالعمل لا يتم بواسطة قطاعات مستقلة بل بالتعاون بين الجميع.

جرس انذار

اذا كان الوزير وليد جنبلاط دق ناقوس الخطر من التمرد الذي حصل في سجن رومية، فان د. نبيل ميقاتي (طبيب امراض نفسية وعصبية) حذّر من ان هؤلاء المساجين الذين يعيشون في مثل هذه الظروف هم قنابل موقوتة.. وان ما حصل هو جرس انذار مبكر.

ويشرح د. ميقاتي قائلاً: ان السجن ليس هو المكان الطبيعي الذي يعيش فيه البشر، فطبيعة الانسان ان يحافظ على حريته بشتى الوسائل، فحتى المريض النفسي عند حجزه لمدة 24 ساعة فقط يقاوم، ويستعمل الحيل النفسية ليجد لنفسه مبرراً للخروج. اما القوانين التي سنّت لحجز حرية البشر، فهي قوانين وضعية، وفكرة السجون انها وجدت في المجتمعات المدنية، بينما المجتمعات البدائية والزراعية والقبلية فلم يكن فيها سجون، ولكن كان لهذه المجتمعات قوانينها المناسبة، فكانت كل مجموعة بشرية تنفذ العقوبة المناسبة لمرتكب الجرم او الجنحة باللجوء الى تطبيق عقوبة النفي او قطع الاعضاء (مثل اللسان او اليدين) حسب جريمته، وكانت هذه المجتمعات تتعامل مع الخلافات البسيطة بسعة صدر وتحلها حبياً، ولكن عندما سنّت القوانين لتحكم مجتمعات تضم اعداداً هائلة من البشر، وليس مجرد قبيلة، كان لا بد ان تطبق هذه القوانين بجدية، ونرى في عالم السجن ان الانسان يفقد شخصيته ويتحول الى مجرد رقم، ومع تكاثر البشر واتساع المدن وتعدد أوجه التنافس والتـزاحم، ظهرت علوم جديدة لم تكن موجودة سابقاً، مثل علم الاجتماع وعلم النفس والطب النفسي.. والقوانين كما نعلم معقدة بعض الشيء وليس كل الناس على دراية بفحوى هذه القوانين، وهي قد تكون صعبة حتى على بعض المحامين الذين لا بد ان يعودوا الى المراجع القانونية كي يكون كلامهم دقيقاً.

ويتابع د. ميقاتي:

وكل من عاش في مجتمعات تطبق القوانين يعرف انه في حال اخطأ فهناك احتمال اكيد بأن يعاقب، فأصبحت السجون في البلاد الكبيرة اماكن للتأهيل واعادة كرامة المسجون، الذي ربما عانى في طفولته او في مرحلة المراهقة او خلال عمله الوظيفي لأي ضغط او مشاكل عصبية او نفسية ادت به الى ارتكاب جرم ما، ومهمة الطب النفسي ان يقوم بتبيان قدراته العقلية وذكائه العاطفي والاجتماعي، وندرس عندها حالته اذا كان يعاني من تفكك اسري او من حالة فقر او حرمان أو إساءة معاملة، ضرب أو إهانة، أو نشأ في بيئة يسودها العنف، وهنا انا لا ابرر لأي شخص ارتكب جريمة فالقضاء هو المرجع الاخير للتمييز بين جريمة وأخرى، ومقاضاة الانسان تحتاج الى فتح ملف ومداولات بين المحامين والقضاة، بينما الطبيب النفسي ليس له دراية بالقانون اللهم الا دارسي الطب الشرعي، وقد يمر علينا حالات يعاني فيها الشخص منذ الطفولة بميل الى السلوك اللااجتماعي او الخارج عن القانون او التقاليد والاعراف فسيتصرفون بعناد وتململ، أي انه لا يتمتع بالصبر الكافي لانتظار مكافأة المجتمع له، مثل هؤلاء الاشخاص الذين يعانون من المشاكل النفسية قد يتواجدون في مجتمعات ليست لديها قدرات لمداواتهم او الاهتمام بهم، فإذا وجدوا في بيئة على شاكلتهم يشكلون عصابات، وداخل هذه العصابات نجد انها تراتبية أي هناك رئيس للمجموعة يكون عادة هو الاقوى، وهذا التشكيل نجده ليس فقط في المجموعات البشرية بل حتى في مجتمع الحيوان، القوي المتنمر يحطم الضعيف، وهنا اذكر من تاريخ العرب شخصية عنترة الذي كان يقول: ((كنت اضرب الضعيف ضربة ينخلع لها قلب القوي))، فهو يضرب الضعيف كي يرهب القوي، ونرى ان الذكور يميلون الى هذه الطريقة داخل مجموعاتهم، حتى في المدرسة نجد ان احد التلامذة يضرب جميع زملائه ولا احد يضربه، وكذلك الامر في السجون وفي الاماكن المغلقة حيث يتواجد شخص قوي يستعمل العنف الفكري او الجسدي، فهذا النموذج نجده في كل مراحل الحياة وفي معظم الاماكن حيث يكون اسمه البطل او الزعيم او القائد. والانسان بطبعه يحب القوة وبالتالي يحب الانسان القوي ويميل الى القوة، وهؤلاء المسجونون يكون لديهم الشخص القوي، وهم بالتالي يعانون من كبت نفسي وغضب ونقمة لأنهم سلبوا حريتهم الى اجلٍ غير مسمى فالشهر لدى المسجون يعادل ربما سنوات، فكيف اذا كان المحكوم يمضي عقوبة المؤبد، لذلك يتكون لديه غضب شديد ويتحين أي فرصة للهرب، اما اذا تناولنا الظروف التي يوضع فيها المساجين فهي ظروف سيئة. ولو حاولنا تطبيق ما يعانيه السجن على احدى الاسر التي تعيش في غرفة واحدة، فنجد مثلاً ان تداخل حركتهم في المنـزل تؤدي بهم الى الاختلاف، واذا كان لديهم جهاز تلفاز واحد فهم سيختلفون حول ماذا يشاهدون، واذا كان للمنـزل حمام واحد فهم سينتظرون دورهم، وكذلك في المطبخ، كل هذا التـزاحم في مكان واحد يزيد من حدة التوتر، فأي مكان يشعر به الانسان انه محشور يصيبه بالتوتر، واعطيك مثلاً، أي مجموعة تجد نفسها داخل مصعد معطل، يسودها التوتر والغضب، واذا عدنا الى ظروف السجون لدينا، فنجد انها ضيقة، والمسجونون محشورون فيها، كما ان بعضهم قد يكون مريضاً نفسياً او صحياً، كما ان الطريقة التي يتناولون فيها طعامهم على الارض او اماكن نومهم، قد تزيد من توترهم، فبعضهم تتدهور صحته النفسية والجسدية فيتولد عنده حالة من الغضب والاستعداد لايذاء الآخرين، فبعض المساجين يتصرفون بنوع من التهور والرعونة وبالتالي فليس لديهم استعداد لتحمل الآخرين او التعاطف معهم، وعند مجيء سجين جديد يمارسون عليه نوعاً من السيطرة، وهذه النماذج تعرفت اليها من خلال محادثاتي مع رجال امن ومساجين، ومن مشاهداتي عندما طُلب مني معالجة مريض نفسي داخل احد السجون إذ شعرت داخل السجن وكأنني في قفص غير مؤهل لأن يُحجز فيه حيوان – وعذراً لهذا التشبيه – لذلك تتولد لدى السجين حالة من الكراهية والغضب والنقمة.

ويتابع د. ميقاتي: المجتمع يضع المحكوم في السجن محاولاً نسيانه واتقاء شره، كما يفعل أهل المريض النفسي عند تركه داخل المصحة، فمن أجل نسيانه أيضاً. ولا بد هنا أن نذكر بأن بعض المجرمين يقومون بأفعال مستهجنة ووحشية لا يستطيع المجتمع تحملها فعندها لا بد من سجنه.

وأمام الجملة الشهيرة التي يرددها كل مسجون ((أنا بريء)) رغم الأدلة والشهود والاعترافات، وهذا ما كان ينادي به السجين يوسف شعبان، يتوقف عندها د. ميقاتي بالقول، ان القضاء هو الحكم فأي سجين ينادي ببراءته ويطالب بإعادة محاكمته، مع العلم ان هناك بعض الجرائم يعمد فيها بعض الاشخاص إلى إلباسها لأحدهم عبر تدبير الأدلة أو استخدام كلام قيل أو تهديد وجه إلى الضحية في ساعة غضب.. مع العلم ان العلم تطور لمعرفة القاتل عبر الأدلة البيولوجية والكيماوية وفحص الحمض النووي (D.N.A) بينما في جرائم أخرى تكون الأدلة واضحة والاعتراف تم دون ضغط أو تعذيب، فعلى المجتمع هنا أن يطبق العقوبة المناسبة والتي نص عليها القانون، ولا يعود من مناص أمام المتهم إلا تنفيذ العقوبة، ويلجأ أحياناً بعض المحامين إلى سوق أسباب اجتماعية أو نفسية لمنح موكلهم أحكاماً تخفيفية.

ويضيف د. ميقاتي: رجال الأمن لا يقصرون في أداء واجباتهم، لكن يغيب عن بالهم في أحيان كثيرة حاجات المساجين، أو أولئك الذين يفتعلون المشاكل داخل السجن. وبالمناسبة أذكر هنا انه في إحدى زياراتي لأحد السجون كان الموقوف الذي ذهبت لرؤيته طليقاً يتجول أمامي، في تلك اللحظة فكرت لوهلة لو ان هذا الموقوف سارع وخطف مسدس رجل الأمن لأصبحنا جميعاً تحت رحمته واتخذنا كرهائن.. وهذه الأمور كثيراً ما تحدث في السجون الأميركية، لذلك هم يحتاطون ان لا ينقلب السجين على رجل الأمن ويتخذه رهينة. وهناك قانون عسكري انه إذا فقد رجل الأمن سلاحه يُعاقب، لأنه مسؤول عن سلاحه بقدر مسؤوليته عن حياته، فهذا السلاح حمله إياه المجتمع وأعطاه السلطة لأن السلاح يضيع حياة إنسان، فالقتل هو أخطر فعل يمكن أن يقوم به إنسان.

وعن الحالة النفسية للسجين الذي يمضي عقوبة حكم المؤبد يقول د. ميقاتي: ان بعض المساجين يتمنى الاعدام على أن يقضي بقية حياته في السجن، فهناك تغييرات تحصل مع طول فترة السجن، تغييرات نفسية وجسدية، وأحياناً تتطور هذه الحالة بحيث لا يمكن أن يعود هذا الانسان إلى حالته الطبيعية، فيصبح مرضه النفسي مستعصياً ولا يمكن علاجه. وبعض الاشخاص تظهر لديهم أعراض نفسية لا يمكن الشفاء منها حتى بعد خروجهم من السجن، وأذكر انني عالجت شخصاً سجن لسنة واحدة خارج لبنان لأسباب سياسية، وخلال جلسات العلاج، لاحظت ان النقمة التي تعتريه مستعصية ويستحيل علاجها. هو يقول انه سامح، ولكن مثل هذه الشخصية تتحين أي فرصة للانتقام. فسجن إنسان حتى ولو لشهر واحد يترك لديه نقمة فظيعة على السجان وهنا السجان قد يكون المجتمع أو الذين تسببوا بسجنه. وأنا هنا لا أعترض على القضاء، ولا أستطيع أن أحكم عليه، ولكن المطلوب دراسة أي حالة من جميع جهاتها، لأن الذين يمضون المؤبد أو سنوات طويلة خلف القضبان يصبح علاجهم النفسي مستحيلاً.

وهنا يلفت د. ميقاتي إلى مسألة خطيرة وهي ان المساجين في السجون اللبنانية معظمهم ليسوا لبنانيين وقد جاؤوا من أصقاع الأرض وكل واحد في نيته السلب والنهب بسبب الانفلات الأمني الذي كان يعاني منه لبنان، فأصبح واضحاً ان لبنان شكل حقلاً مغناطيسياً جذب المرتزقة إليه فحصلت عملية استيراد لمجرمين كانوا يقبضون رواتب للسرقة أو القتل أو النهب وشكلوا طبقة من الناس من جميع الجنسيات، وهؤلاء الاشخاص قد يرتكبون الجرائم في بلادهم، وبعضهم تم جذبه إلى لبنان تحت غطاء ديني أو غطاء سياسي ووجدوا تبريرات لهم كي يرتكبوا جرائمهم ووجدوا غطاءً سياسياً وشعبياً كي يقوموا بمثل هذه الاعمال، وعندما انتهت الحرب عام 1990 لم يعد مقبولاً لدى الناس مثل هذه الجرائم وأعمال العنف التي كانت تحصل خلال سنوات الحرب، فهنا الناس بدأت تميل إلى عقاب هؤلاء، وبالتالي لا يستطيع الناس تحمّل أشخاص قاموا بأفعال ضد القانون ثم كرروها بعد انتهاء عقوباتهم لذلك فإن القانون يحمي المجتمع من خلال الاحكام الغليظة على هؤلاء، لأن أي سرقة قد تحصل في مصرف مثلاً فإن السارق لا يؤذي المودعين فقط أو المصرف بل يؤذي البلد كله ويؤذي سمعته بأنه بلد غير آمن، وجميعنا نتلو دعاء ((اللهم اجعل هذا البلد آمناً))، فالأمن هو أمنية أي إنسان، بينما المشكلة ان بعض الاشخاص يرفضون تغيير سلوكهم، ربما لمرض نفسي، فيرفضون العلاج رغم محاولة مساعدة الناس لهم وهناك أشخاص غير اجتماعيين نسميهم (antisocial) ممن قست قلوبهم فيعذب ضحيته ويتلذذ بتعذيبها ويتملكه شعور جميل إذا قتل، مثلاً الذي يمارس الصيد كهواية وكنوع من الرياضة يختلف عن ذاك الذي يتلذذ بقتل الطريدة لأنه غير طبيعي.. هؤلاء الاشخاص لا يستطيع أن يتحملهم المجتمع لأن القسوة تعدت كل الحدود، ومثل هؤلاء المساجين ممن صدر بحقهم حكم مؤبد يجب وضعهم في زنزانات إفرادية لأن عملية الايذاء قد تمتد للمساجين وقد تصل إلى حد القتل، أي يرتكب جريمة داخل السجن الذي دخله بسبب جريمة قتل، بينما نرى في ((القاووش)) نفسه أشخاصاً من المحكومين بسبب جرائم نصب أو سرقة أو احتيال مع تجار مخدرات وقتلة. مجموع هؤلاء الاشخاص داخل غرفة واحدة ودرجة حرارة مرتفعة صيفاً وبارده شتاء مع عدم نظافة وروائح كريهة وأكل غير نظيف أو غير لذيذ يؤدي إلى مصائب لا تحمد عقباها.

وهنا اعطيك مثالاً حول جدوى تقديم طعام نظيف للمساجين، فخلال مناقشتي مع طبيب بريطاني يعالج نزلاء سجن ((برودمور)) في بريطانيا وهم من المجانين الذين ارتكبوا جرائم، فقال ان السجن مبني وسط طبيعة خلابة، يقدم طعاماً للنـزلاء، كأي فندق خمس نجوم من حيث النظافة والترتيب وتنوع الطعام وخلال علاجه لهم وتردده عليهم اكتشف ان مفتاح علاجهم واستجابتهم للعلاج كان الطعام اللذيذ. إضافة إلى ان مساحة السجن والملاعب الموجودة تساعد على امتصاص حالات النقمة والغضب وأنا أزيد هنا انه لا مانع من وجود مسبح.. ولكن قد يعترض المجتمع الذي ينظر للمسجون بنظرة معينة، على ان هذا رفاهية لا يجب أن تتوافر له؟

فيرد د. ميقاتي: ليست رفاهية لكن السجين إنسان فقد حريته وتبقى حسرة في قلبه، وخصوصاً إذا كان يمضي حكماً مؤبداً، بأنه حُرم إلى الأبد من متع كثيرة، فهو محروم من الحب والعاطفة، ومن زوجه وأولاده، فحتى الزيارات تتم من خلف عوائق كثيرة، لماذا إذن لا نلبـي بعض المطالب الإنسانية، نحن لا نطالب بسجن مثل السويد، حيث باستطاعة السجين استقبال زوجه أو صديقته في غرفة واحدة وعلى انفراد، لأنهم يعتبرون ان الجنس من حقه ويجب أن لا يُحرم من هذا الحق، فبعض الاشخاص عند حرمانهم من الجنس يميلون إلى العنف.

عموماً الذكور بطبيعتهم أعنف من المرأة ويمكن أن يمارسوا العنف ضد بعضهم داخل السجن، فهم ارتكبوا العنف حتى دخلوا السجن، وهذا العنف يبقى مكبوتاً داخلهم فيتحولون إلى قنبلة موقوتة. وعند خروجهم من السجن إذا لم تتح لهم فرصة جيدة للعيش فيعودون إلى عالم الجريمة، كما ان البطالة خطيرة فهي مكان مناسب لنمو النقمة والتململ.

وهنا نتساءل إذا كان السجن هو للتهذيب والاصلاح، وبالمقابل فإن ما يعاني منه السجين هو الغضب والكراهية والنقمة في ظل ظروف معيشية سيئة، ودون رعاية لصحته النفسية فكيف سيستعيد هؤلاء انسجامهم داخل مجتمعاتهم؟ يجيب د. ميقاتي منهياً حديثه: إذا أردنا تحسين مستوى المسجونين، علينا أن نكون أكثر مرونة وأن نؤمن للمسجون أبسط المطالب الإنسانية فالانفعال هو سيد الموقف، لذلك دائماً هناك من يخطط ويحرض، ولكي لا يحصل ما حصل خلال حرب العام 1975 عندما فُتحت السجون وأُطلق جميع المسجونين فكيف هو الحال لو ان هذه السجون أعيد فتحها؟ ربما يكون ما حدث في سجن رومية هو إنذار مبكر ويجب أن نأخذه في الاعتبار.

المصدر:
الشراع

خبر عاجل