الأزمة الرئاسية لا ترتبط بمواعيد بل بتغيير توازنات سوريا تسمح بالانتخابات حين تضمن غالبية نيابية جديدة
تكشف المعطيات التي خرج بها عدد من المتصلين بالمسؤولين السوريين، من غير حلفائهم اللبنانيين، في المدة الاخيرة ان دمشق لا ترغب وفق ما ينسب اليها في ايصال لبنان الى حال انعدام وزن كلي وغياب المؤسسات الدستورية، والمقصود بذلك مجلس النواب بعد التعطيل الذي اصاب انتخابات الرئاسة الاولى وشل عمل الحكومة بعد تقديم وزراء حركة "أمل" و"حزب الله" استقالاتهم منها، بل هي ستسمح باجراء هذه الانتخابات حين تشعر وفقا لمعطيات ضامنة لها بأنها ستكسب الغالبية في مجلس النواب الجديد من خلال المعارضة المتحالفة معها. وما لم تحصل سوريا على ذلك، يصعب جدا الرهان على مواعيد محددة مهما حددت تواريخ لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. وهذا لا يعني ضرورة ان الامر قد يستمر الى السنة المقبلة، وفق ما يعتقد كثيرون، فهو يتعلق باجراء الانتخابات النيابية في موعدها سنة 2009 لعدم وجود مدة كافية لاجراء انتخابات نيابية مبكرة، ويخشى كثيرون في الاكثرية في ضوء هذه المعطيات التي توافرت لهم وبناء على منطق ساد خلال العامين الماضيين ان تعود الاغتيالات من خلال استهداف احد اركان قوى 14 آذار، فتتغير المعادلة او التوازن الداخلي، باعتبار ان استمرار الوضع الحالي لا يضمن في اي حال فوز المعارضة بالاكثرية النيابية ايا تكن طبيعة قانون الانتخاب الذي سيعتمد. ذلك ان التحالفات الحالية لا تضمن للمعارضة الفوز بالاكثرية النيابية وخصوصا في ضوء التحولات في الساحة المسيحية التي لا يمكن الركون الى نتائجها. ولهذه الاسباب استنفر اركان 14 آذار تخوفا من عمليات اغتيال محتملة تمهد للوصول الى هذه النتائج. وقد اعتبر كثيرون ان اغتيال النواب في المرحلة الماضية اتصل على نحو خاص بالنية لنزع صفة الاكثرية عن الاكثرية وتحويلها اقلية اذا استمر التوجه الى انتخاب رئيس بالنصف زائد واحد.
وواكبت هذه المعطيات، على ما ينقل المعنيون، الاتجاه الذي اعلنته سوريا الى تبادل رسائل مع اسرائيل من اجل معاودة، المفاوضات معها عبر القناة التركية. وهذا الاتجاه حظي باهتمام المراقبين الديبلوماسيين المتابعين باعتبار انه ينم على منحى اكثر تعقيدا بين سوريا والدول العربية المؤثرة. فدمشق ارادت من القناة التركية مع اسرائيل ضرب اكثر من عصفور بحجر واحد، لأن القناة التركية موجهة الى الدول العربية المؤثرة مثل مصر والمملكة العربية السعودية، ويزيد بعضهم قطر باعتبار انها اظهرت تحولا في مواقفها من موضوع لبنان فبدت اكثر تفهما للمطالب اللبنانية منها الى المطالب السورية على ما جرت العادة في المدة الاخيرة، وذلك بعد اصطلاح الحال نسبيا بين قطر والمملكة السعودية. واهمية تركيا في هذه المعادلة انها دولة ذات غالبية سنية يمكن الاستناد اليها في وجه الدول العربية المؤثرة التي تقاطع سوريا راهنا، فضلا عن علاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة الاميركية.
والرسائل الى اسرائيل، على رغم معرفة دمشق بعدم قدرة رئيس حكومتها ايهود اولمرت على السير بمفاوضات معها تؤول الى اعادة الجولان، يدرجها المراقبون في خانة واشنطن باعتبار ان سوريا تملك القدرة على استهداف قلب اميركا من خلال اسرائيل حتى وان تكن الولايات المتحدة بعيدة عن هذا المحور في المرحلة الحالية وتقدم عليه المفاوضات بين الفلسطينيين واسرائيل. وثمة من يضيف الى ذلك ايضا موضوع المحكمة الدولية الذي يعتقد كثيرون ان مجرد معاودة سوريا مفاوضات سلام مع اسرائيل سيجعل سوريا محصنة من المبدأ من اي استهداف، ما دامت دمشق تعتقد ان المحكمة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري سياسية من اجل النيل من النظام فيها. ويعود ذلك الى ان دولا عدة ستعمل على اعطاء السلام في المنطقة فرصته اذا ظهر امكان حقيقي له بما في ذلك الادارة الاميركية المقبلة التي يُراهن عليها من هذا الباب قبل اي امر آخر، من دون ان يعني ذلك احتمال ان تؤدي معاودة المفاوضات السورية – الاسرائيلية الى نتائج فورية. فهذا مسار قد يأخذ مجددا اشهرا، وربما سنوات، لكنه يخدم اهدافا آنية او تكتيكية محددة. ويدعم هذا المنطق، وفق المعنيين انفسهم، موقف ايران حليفة سوريا من اسرائيل في هذه المرحلة من جهة، والمواقف المتناقضة من جهة اخرى، لحلفاء سوريا المنذرة والمحذرة من استعدادات اسرائيلية لحملات عسكرية على الشعب الفلسطيني غداة زيارة الرئيس جورج بوش للمنطقة التي يقول هؤلاء انها تهدف الى اعطاء الضوء الاخضر لاسرائيل من اجل تنفيذ عمليات عسكرية حاسمة ضد الفلسطينيين، مع توجه سوريا العلني نحو معاودة المفاوضات مع اسرائيل.
وهذه المعطيات تشي جميعها بعدم وجود نية في الافق للتصالح بين سوريا والدول العربية المؤثرة، بل على النقيض من ذلك، في حين ان الوضع مع الولايات المتحدة مؤجل حكما الى الادارة المقبلة ايا تكن هذه الادارة. ولذلك جرت متابعة ديبلوماسية غربية دقيقة لاحتمال عقد لقاء بين الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري لرصد ما اذا كان الافرقاء اللبنانيون يملكون حرية التصرف داخليا ضمن هامش محدد، ام ان تفاصيل الوضع اللبناني متصلة بدقة بما يجري في الخارج بحيث يمثل عدم اللقاء ردا سورياً محتملا على رفض المملكة السعودية استقبال بري الذي زار مصر وقطر وفوجىء بالتغير في مواقف المسؤولين فيهما، وذلك بعد زيارته لسوريا ولم تتوافر له فرصة لزيارة المملكة السعودية. وهو امر يقول ديبلوماسيون انه سيؤكد مجددا المنطق الذي يفيد بأن الوضع الداخلي سيظل رهنا لافرقاء الخارج من دون قدرة لافرقاء الداخل على احراز اي تغيير فيه.