لماذا لا يترك للرئيس التوافقي دوره في رعاية الحل السياسي؟
"إعلان النيات" يكشف سوء نيات وأزمة ثقة حادة
اميل خوري
بات القاصي والداني يعلم ان سوريا هي المشكلة في لبنان وهي الحل اذا كان يؤمن عودتها اليه وانها وحدها قادرة على ان تمنع انتخاب رئيس للجمهورية رغم ارادة كل دول العالم ما دامت تمسك بورقة الثلاثي: بري – عون – نصرالله المعطلة لنصاب الثلثين.
عندما عاد الرئيس بري من دمشق وقال انه يعود حتى بما لم يكن تحلم به الموالاة وقرر الدعوة الى طاولة الحوار، اعتبر ان قبول دمشق باعلان نيات فقط في ما يتعلق بتشكيل حكومة وحدة وطنية وقانون الانتخاب، سوف يفتح باب خروج لبنان من ازمته. اذ لم يعد مطلوبا الاتفاق المسبق على تفاصيل تشكيل الحكومة لجهة تسمية رئيس الحكومة والوزراء وتوزيع الحقائب الاساسية وحصة كل من الموالاة والمعارضة فيها، وايضا لجهة الدخول في تفاصيل قانون الانتخابات، بل الاكتفاء من خلال "اعلان النيات" بالموافقة على تشكيل حكومة وحدة وطنية مع تحديد نسب تمثيل الموالاة والمعارضة فيها والموافقة على ان يكون القضاء دائرة انتخابية.
لكن عندما رفضت السعودية تحديد موعد للرئيس بري ثم اعلنت بلسان الوزير سعود الفيصل ان لا علم لها بزيارة ينوي الرئيس الاسد القيام بها للمملكة بدل ان تعلن الترحيب بها، تحول "اعلان النيات" الى انقلاب نيات وانكشاف "تفاقم ازمة الثقة بين الموالاة والمعارضة بحيث بات الجلوس الى طاولة الحوار شرطا للبحث في تفاصيل بيان اعلان النيات، وبات عقد لقاءات التشاور لهذه الغاية مرفوضا حتى ولو ادت هذه اللقاءات الى اتفاق على صيغة للبيان تسبق الجلوس الى طاولة الحوار، وقد بلغت ازمة الثقة حدا جعل الرئيس بري يرفض تحديد موعد اللقاء مع رئيس كتلة "تيار المستقبل"، النائب سعد الحريري الا بعد ان يعرف مسبقا موضوع اللقاء وهل سيتكلم فيه بصفة رئيس هذه الكتلة ام بصفته مفوضا من الاكثرية النيابية، فاذا كان بصفته الاخيرة فان الكلام يكون مع العماد ميشال عون المفوض من المعارضة البحث في الحلول مع الموالاة…
وهكذا عاد "حزب الله" والعماد عون الى المطالبة بالدخول في تفاصيل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية للتأكد من ان المعارضة لن يكون تمثيلها مهمشا فيها، والمطالبة ايضا بمعرفة تفاصيل قانون الانتخابات وعدم الاكتفاء باعتماد القضاء دائرة انتخابية، بل معرفة هل يكون قانون 1960 مقبولا كما هو ام معدلا وماذا يشمل هذا التعديل، ام يكون القانون الذي اقرته اللجنة الوطنية برئاسة الوزير السابق فؤاد بطرس هو الذي ينبغي ان يطرح على بساط البحث او غيره من المشاريع التي يجب اقرارها قبل انتخاب الرئيس.
وترفض المعارضة من جهة اخرى، انتخاب رئيس للجمهورية قبل ان يصير اتفاق على كل ذلك، وهذا معناه ان موعد هذا الانتخاب سوف يبقى مجهولا حتى ولو دخلت البلاد في المجهول.
ويرد نواب موالون على شروط المعارضة بالآتي:
اولا: اذا كان العماد ميشال سليمان هو الرئيس التوافقي الذي يحظى بتأييد الجميع فعلا لا قولا فلماذا لا تكون الثقة به كافية لتشكيل حكومة وحدة وطنية ووضع قانون جديد للانتخابات يكون عادلا ومتوازنا؟ واذا كانت المعارضة لا تثق بالموالاة كونها تشكل الاكثرية النيابية التي تسمي من تشاء رئيسا للحكومة وتسمي ايضا من تشاء وزراء فيها، والا هدرت بحجب الثقة عن الحكومة، فان رئيس الجمهورية بموجب صلاحياته الدستورية لن يوقع مرسوم تشكيل حكومة اذا لم تكن حكومة مقبولة من القوى السياسية الاساسية في البلاد وتحديدا من الموالاة والمعارضة، وانه اذا تعذر عليه تشكيل مثل هذه الحكومة، فانه يلجأ الى تشكيل حكومة من خارج مجلس النواب ومن مستقلين وسوف يحظى موقف رئيس الجمهورية هذا بتأييد الرأي العام الواسع بحيث لن تستطيع الموالاة والمعارضة الوقوف ضد هذا الرأي العام وتاليا ضد الرئيس عندما يتصرف بوحي من ضميره ومن مصلحة لبنان، بعيدا عن تجاذب المصالح الذاتية بين الموالاة والمعارضة.
ثانيا: ليس من حق الموالاة والمعارضة فرض رأيها في تشكيل الحكومة، بل من حق كل منهما ان يشترط الموافقة على برنامجه ليقبل المشاركة فيها، فالمشاركة في الحكومة لا تعني ان يفرض طرف برنامجه على الطرف الآخر والا كان الاستئثار في السلطة وكان الويل والثبور وعظائم الامور. ففي النظام الديموقراطي الاكثرية تحكم والاقلية تعارض، عندما يتعذر التوصل الى اتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية او حكومة وحدة وطنية يجمع المشاركين فيها برنامج سياسي مشترك واحد، وهو ما كان يحصل في الماضي عندما كانت المعارضة تتقدم بمطالبها كي تشارك في الحكومة على اساس القبول بها، والا امتنعت عن المشاركة وبقيت في موقعها المعارض تحاسب الحكومة وتسائلها في مجلس النواب واحيانا خارج المجلس، الى ان تتوصل الى توفير العدد الكافي لحجب الثقة عنها او فرض استقالتها تحت ضغط الارادة الشعبية، او تنتظر المعارضة موعد الانتخابات النيابية لتصبح هي الاكثرية ويكون لها الحكم.
ثالثاً: ان رئيس الجمهورية التوافقي سيكون حريصا على جعل قانون الانتخابات النيابية عادلا ومتوازنا يؤمن التمثيل السياسي الصحيح لشتى فئات الشعب واجياله وفعالية ذلك التمثيل، كما انه سيكون حريصا على جعل الانتخابات التي ستجرى على اساسه حرة ونزيهة، لأن على نتائجها غير المشكوك فيها، يتوقف مصير الوطن هوية وكيانا ونظاما، بحيث ان الاكثرية التي تنبثق من هذه الانتخابات المشهود لها من الجميع بنزاهتها وسلامتها، هي التي ستحكم والاقلية تعارض كي يعود العمل بالنظام الديموقراطي الصحيح والسليم وليس ببدعة "النظام التوافقي" الذي يعطل سير عجلة الدولة ويقيم حكم "فيديرالية" الطوائف.
رابعاً: ان رئيس الجمهورية التوافقي الذي يكون في موقع الحكم العادل ويقف على مسافة واحدة من الجميع ليكون فعلا لا قولا رمز وحدة الوطن لن يعمل لمصلحة طرف، بل لمصلحة لبنان من دون سواه، وانه لن يتوانى عن اعادة اي مشروع سواء الى مجلس الوزراء او الى مجلس النواب لدرسه مرة ثانية لأسباب تمليها عليه هذه المصلحة وليس اي مصلحة اخرى وخصوصا، السياسة الكيدية. فعندما يكون على رأس الدولة والبلاد مثل هذا الرئيس، لماذا توضع عليه الشروط، ولماذا لا تترك له حرية ابداء رأيه في المشاريع لا سيما تلك المثيرة للخلاف بين الموالاة والمعارضة، خصوصا ان له حق ردها اذا لم يؤخذ برأية فيها.