"حوار الأنفاق" أولاً!
نبيل بو منصف
حين ينصرم نصف السنة الاولى من عمر عهد الفراغ الرئاسي في 24 ايار الجاري مطيحاً بـ19 موعداً دورياً لجلسات نيابية صارت كأنها الخيط الوهمي الاخير الذي يربط الازمة اللبنانية بمسار دستوري يعاني النزاع والاحتضار، حينذاك يكون الترتيب العربي لأولويات الحل كما كرسته المبادرة العربية قد شارف بدوره الانهيار.
ذلك ان الانتخابات الرئاسية الفورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية والاتفاق على قانون الانتخابات النيابية، التي شكلت طوال الاشهر الاخيرة من الازمة وصفة الشفاء المبدئية والمعترف بها على اوسع نطاق لبناني وعربي ودولي، بدت فجأة وكأنها منتهية الصلاحية وتراجعت بنودها الى مرتبة خلفية مع انفجار الاحتدام الكبير حول وقائع امنية ذات صفة استثنائية فائقة الخطورة في كشف "حال الجمهورية" وبواطنها واعماقها وهي تسبح في غيبوبة الفراغ.
هذا الانفجار الثنائي القطب بين رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط و"حزب الله"، الذي تمدد بسرعة التهاب القضايا الامنية التي اشعلها، أعاد عقارب الساعة الى حيث توقفت اصلا بفعل امر واقع قاهر او بسبب موانع استراتيجية موصوفة، اي الى العطل الذي اوقف حوار الاقطاب الـ14 عام 2006 فكُتمت الازمة على زغل ضخم مع انقطاع الحوار لدى وصوله الى "الاستراتيجية الدفاعية" للدولة وضرورة معالجة الواقع الملتبس والمتفجر بين الدولة والمقاومة، وجاءت حرب تموز من ذلك العام لتعمق حرب المشروعين وواقع "الدولة" و"الدويلة" الى اقصى درجاتها خطورة. ولعل اشد ما يثير القلق في اندلاع موجة الاحتدام على خلفية وقائع التنازع بين أمن شرعي وأمن ذاتي، هو ان يطل لبنان على مشهد ينذر بكل الشرور والانهيارات فيما تصدح من حوله وخلف حدوده الجنوبية والشرقية والشمالية انغام تمجد التفاوض والمفاوضات والوساطات الحميدة، حتى ان الصراع الاميركي – السوري في لبنان وحوله وعليه يكاد يتجه قدماً نحو سباق على إحياء المسارين الفلسطيني والسوري للصلح مع اسرائيل. يجري ذلك فيما تتداعى "احلام الحوار" في لبنان، وتخرج من بواطن العمق اللبناني قضايا ابلغ فداحة من كل بنود دستورية وسياسية تكشف ان اي حوار مفترض، او اي فرصة لا تزال محتملة وممكنة لحوار قد يأتي يوماً، لم يعد جدول اعمالهما ينطبق على الاولويات المدرجة لأزمة غير مسبوقة في الفراغ. فاذا بهذا الفراغ فوق الارض وفي المؤسسات يمعن في ملء الجوف اللبناني بأرتال من الوقائع المتراكمة التي يتبدى معها ان الدولة اللبنانية او الجمهورية اللبنانية تتعرض لقضم الامر الواقع بفعل "مرور الزمن". وما دامت الطبيعة تأبى الفراغ فكيف بساحة صراع مفتوحة على حرب لا هوادة فيها بين مشروعين يخشى ألا يكون قد بقي جسر واحد قائم للربط بينهما بعدما اضحت معايير التسوية في ذاتها في حاجة الى الف جولة من حوارات يستحيل جمع اقطابها ؟
وفي جمهورية تقضمها الازمة من فوق وتبتلعها وقائع امنية متهادية ومتسعة من تحت، لن يكون اي مدخل للحل من باب بنود ثلاثة أضحت كأنها عنوان الضحك على ذقون اللبنانيين وتخديرهم بمعسول الآمال والآمال الخادعة. ولن يكون الانتخاب الرئاسي بذاته، حتى لو فُتحت كوة امامه، كفيلا بحل فعلي ما دام الحوار لن يبدأ من حيث يجب ان يبدأ، اي من باطن الجمهورية حيث تقبع "النيات" الفعلية وحقيقة المشاريع المتصادمة والمتصارعة على الجمهورية ودولتها. وعبثا بعد جولة من هنا وجولة من هناك المضي في عبث الكلام المنمق عن "حوار الطاولات" إن لم يبدأ "حوار الانفاق" اولا بعنوان واحد هو: هل نريد دولة طبيعية قابلة للحياة ام صورة مغايرة لدولة مغايرة ترتسم في الباطن؟