إخفاق موسى مجدّداً كشف ضيق الهامش أمام القوى المحلية
الأزمة أسيرة إطار إقليمي ينتظر خلط الأوراق
روزانا بو منصف
لم يصل الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى الى بيروت بأي وهم يتعلق بقدرته على متابعة تنفيذ المساعي في شأن المبادرة العربية، او بوجود ظروف اخرى جديدة تسمح بذلك، خصوصا انه يبقى على اتصال بالمسؤولين اللبنانيين بحيث يمكنه تبيّن حصول اي تطورات جديدة في المواقف. لكن الفشل الذي منيت به محاولاته للجمع بين الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري في لقاء يتيم ترك اثرا سلبيا مجددا عن امكان تحرك الامور، كاشفا من جهة، وعلى نحو مؤسف، حدود الهامش الذي يمكن ان يتحرك من ضمنه الافرقاء الداخليون الذين يحذرون مما يذهب اليه الوضع ولا يتمكنون من احداث خرق ما باجتماع ثنائي، إما لموانع خارجية واما لحساسيات داخلية وحسابات مصلحية صغيرة. كما فرض هذا الفشل ارجاء محتماً لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية المحددة في 13 ايار الجاري من منطلق ان العجز عن تأمين لقاء على مستوى ثنائي يؤدي الى نتيجة حتمية هي عدم نضج الاتصالات والمساعي التي يمكن ان توصل الى انتخابات في الموعد المحدد. فاذا كان الجمع بين الرجلين صعبا الى هذا الحد، فهذا يعني ان الحلحلة ليست في المدى المنظور بغض النظر عما اذا كان على كتف الرئيس بري حمّال ام لا يتمثل في مواقف حلفائه الذين نسفوا مبدأ " اعلان النيات " الذي دعا الاكثرية اليه عبر الاصرار على تفاصيل الشروط المسبقة قبل انتخاب رئيس الجمهورية، ام في الموقف السوري تحديداً.
ومع هذا الفشل الذي يعني حكما انتظار تحديد موعد جديد لكي يتم العمل على مساعي جديدة، يعود الوضع الداخلي لينشدّ مجددا الى ما يحوط به في المنطقة اكثر من اي وقت مضى، بحيث يبدو معلقا في شكل محدد على تطورين لافتين: احدهما زيارة الرئيس جورج بوش للمنطقة تشجيعاً للمسار التفاوضي بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية، والآخر يتعلق بالمسار السوري الاسرائيلي عبر القناة التركية، بحيث يبدو الامر كأن المسارين، اي السوري والفلسطيني، في سباق خصوصا مع الرسالة التي سلمها الاتراك الى وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني من المسؤولين السوريين بالتزامن مع زيارة وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس لتل ابيب.
هذا الاطار الاقليمي هو الذي يغلب على النظرة الى التطورات الداخلية، على رغم ان امالا بنيت على امكان تحرك بعض الوضع الداخلي نتيجة المكوكية التي قام بها موسى بين الزعماء اللبنانيين، ولو ان زيارته لم تكن بهذا الهدف في الاصل وأعطيت حجما اكثر مما تحتمل، وكذلك نتيجة بعض ما اشاعه حلفاء لسوريا من استعداد لديها لبعض الايجابية ازاء الملفات اللبنانية المطروحة للبحث. فالعلنية والجدية اللتان تتوجّه بهما دمشق الى المفاوضات مع اسرائيل عبر طرف له صدقية معينة، اي تركيا، ويتوقع منه نتائج يتردد انه حقق بعضها حتى الان وعلى نحو متقدم جداً، يتوقع ان تترك اثرا بالغا إن في العلاقات المباشرة مع ايران او مع " حزب الله" في لبنان كما خارجه. وقد لفت البعض الموقف الذي اعلنته رايس في اليومين الماضيين لجهة تحميل ايران مباشرة مسؤولية كل المشاكل في المنطقة، داعية سوريا الى ان تختار اذا كانت ستكون من الدول العاملة على الاستقرار في المنطقة. فهذا الموقف المنخفض النبرة ازاء سوريا راهنا لا يعني تبدل الموقف الاميركي منها، انما بدا مرتبطا بنية الولايات المتحدة ترك الامور تواصل وتيرتها على ما هي بين اسرائيل وسوريا ما دام الهدف الاسرائيلي المعلن يصب في خانة الاهداف الاميركية نفسها، أي ابعاد سوريا عن ايران، وتاليا فك الحلقة التي تربط بين "حزب الله" في لبنان و"حماس" في فلسطين. وقد اشارت رايس الى هذه النقطة بقولها ان بلادها "لا تقف حائلا دون محاولة تحقيق السلام بين اسرائيل وجيرانها"، انما مع اشارتها الى "ان الامر الذي يجب ألا يحدث هو ان نتحدث مع سوريا متجاهلين امر لبنان"، وتالياً فان الولايات المتحدة تعطي فرصة لترى تطور الامور وفق الوتيرة المتسارعة التي تبدو عليها.
ويرجّح ان يصبّ الموقف الاميركي الاخير في خانة تخفيف الضغط بعض الشيء عن سوريا في انتظار بلورة ما يحصل من امور، في حين انه سبق لواشنطن ان لوّحت بعصا في وجه سوريا تتمثل في كشف الاستخبارات المركزية الاميركية عن قصف اسرائيل لمنشأة نووية سورية اقيمت بمساعدة كورية شمالية، في حين لا يعول على مناقشة الكونغرس الاميركي لقانون جديد تحت عنوان قانون محاسبة سوريا وتحريرها في خانة التنسيق حكما مع الادارة الاميركية الحالية، بمقدار ما يتصل بالتطورات في سنة انتخابية وبمزايدات سياسية تتعلق بالرغبة في كسب ودّ اسرائيل، من دون ان يعني الامر عدم امكان توظيف ذلك لاحقا تماما كما حصل بالنسبة الى قانون محاسبة سوريا واستعادة استقلال لبنان الذي دامت مسيرته منذ عام 1997 الى 2003.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو لبنان اكثر فاكثر اسيراً او رهينة لما يحصل في المنطقة بما في ذلك اقرب المحطات المتعلقة بانتخاب رئيس للجمهورية في الموعد المحدد، اي في 13 من الجاري، على رغم استمرار رهان البعض على ان ما يجري في الخارج ربما يؤدي في لحظة ما الى اتفاق نتيجة خلط الاوراق الذي يحصل على اكثر من صعيد.