7 أيار: لا لضرب الاقتصاد بالسياسة!
يبدو أن الصيف المقبل لن يكون واعداً، كما تتمناه أكثرية اللبنانيين، بل إن سخونته السياسية والأمنية قد تذكّرنا بمواسم صيف صعبة، ذاق خلالها اللبنانيون "الأمرّين" على نحو ما حصل في صيف 2006!·
وصدمة اللبنانيين من تفاقمات الأزمة الحالية وتداعياتها المختلفة على حياتهم اليومية، وعلى أمنهم واستقرارهم ومستقبل أجيالهم، تكبر يوماً بعد يوم، خاصة كلما تلوح في الأفق تباشير انفراج أو حلحلة ما، سرعان ما تتحول إلى سراب خادع، بفعل التدخلات الخارجية، واحتدام الصراعات الإقليمية – الدولية حولنا وعلى أرضنا!·
لم ينتظر اللبنانيون انتهاء جولة الوسيط العربي عمرو موسى على القيادات السياسية، ليدركوا أن الحل ما زال أشبه بـ"طبخة بحص"، وأن الكلام الدبلوماسي والتجميلي الذي حرص عليه الأمين العام للجامعة العربية، لم يغيّر واقع الأمر شيئاً، طالما أن الوساطات فُـرّغت من مضمونها، وطالما انحرفت المبادرات عن أهدافها الحقيقية، وتحوّلت الي ملهاة للصغار والكبار، يتقاذفون خلالها كرة الحوار في الوقت الضائع!·
ولأن الحصار الإقليمي أطبق على "إعلان النيات"، وقطع الطريق على الحوار حوله، عادت الأمور الى نقطة الصفر، أو حتى ما تحت الصفر، من جديد، لتفتح الأبواب أمام رياح القلق والهواجس التي تُرعب اللبنانيين: فعادت الأحاديث مرة أخرى عن موجة جديدة من التفجيرات والاغتيالات، وكثرت التوقعات حول عودة المعارضة إلى الشارع، انطلاقاً من تظاهرة 7 أيار التي ترفع المطالب النقابية، وأقحمت أزمة مراقبة الحركة في مطار رفيق الحريري الدولي نفسها في ثنايا الأزمة المستعصية، واشتعلت حرب السجالات بين الأكثرية والمعارضة، بما ينذر وكأن الشرارة أصبحت على فوهة برميل البارود القابل للاشتعال من دون انتظار حرارة الصيف!·
* * * لا نريد أن نخوض في الملفات الشائكة التي وضع القضاء يده عليها، خاصة ملفي شبكة الاتصالات العائدة لحزب الله، وكاميرا المراقبة التي رصدت حركة المدرج 17 لمصلحة الحزب أيضاً، ولكن يبدو واضحاً أن المعارضة لا تريد أن تشارك في الجهد المبذول من قبل الأكثرية، وخاصة الحكومة، لتخفيف وطأة الخسائر المتراكمة على اللبنانيين بسبب الأوضاع السياسية المتردية، ونظراً لموجة ارتفاع الأسعار العالمية التي تهدد أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية بأزمة مجاعة مخيفة·
ذلك أن الخلط الحاصل لدى بعض قيادات المعارضة، بين خصومة الحكومة الحالية ومخاصمة الاقتصاد الوطني، أدى إلى تفاقم الأزمة المعيشية، وإلى تعطيل شرايين الحركة التجارية، وإلى ضرب بضعة مواسم سياحية واصطيافية، ثم ولعل هذا الأهم، تفويت الفرص الهائلة على لبنان للاستفادة من أموال الطفرة النفطية الحالية، على حد قول رئيس جمعية المصارف فرنسوا باسيل أمام مؤتمر الاقتصاد العربي الذي انعقد هذا الأسبوع في بيروت·
ولا ندري ما هي "الأسباب الوطنية الوجيهة" التي تدفع المعارضة إلى ضرب الاقتصاد بالسياسة، وتعريض الثقة بلبنان وباقتصاده الوطني للاهتزاز من جديد، وذلك من خلال الإصرار على الاستمرار في مخيم الاعتصام وسط بيروت من جهة، وافتعال الاحتكاكات الأمنية في الشوارع بين الفينة والأخرى، من جهة ثانية، ثم إقفال مجلس النواب وتعطيل دوره التشريعي الضروري لمواكبة الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي تم التوافق عليها في مجلس الوزراء، وبحضور وزراء الثنائي الشيعي قبل انسحابهم، والتي على أساسها نجح لبنان في حصاد نتائج مؤتمر باريس – 3·
إن الأضرار الهائلة التي تصيب كل لبناني، سواء أكان في الموالاة أم في المعارضة، من جراء ضرب الاقتصاد بالممارسات السياسية الحالية، هي أكبر بكثير مما تستطيع أن تصيب به المعارضة حكومة السنيورة، وحتى الأكثرية برمتها، بدليل أن الدعم العربي والدولي للأكثرية والحكومة يتعزز ويكبر يوماً بعد يوم، مقابل ازدياد العزلة العربية والدولية على المعارضة وحلفائها الإقليميين، في حين يدفع المواطن اللبناني العادي من لقمة عيشه ومن استقراره المعيشي والاجتماعي، الأثمان الباهظة لمخططات ضرب الاقتصاد الوطني، بحجة العمل على الضغط على الحكومة، وتعطيل مشاريعها الإصلاحية والإنمائية على السواء!!·
* * * طبعاً، من حق القيادات النقابية أن تتحرك لتحسين مستوى أجور الطبقة العاملة والمنتجة، بما يمكّن أصحاب الدخل المحدود من مواجهة موجة الغلاء العالمية التي ضاعفت أسعار مواد غذائية رئيسية على امتداد العالم كله·
ولكن من واجب القيادات النقابية عينها أيضاً، أن تمنع محاولات الاستغلال السياسي للمطالب العمالية المحقة، وتحول دون متاجرة بعض الأطراف السياسية والحزبية بعرق عمال لبنان ولقمة عيشهم، خاصة وأن هذه الأطراف نفسها هي التي تساهم، بسياساتها الكيدية في تفاقم الأزمة المعيشية، بسبب تعطيل دورة الحياة الاقتصادية الطبيعية في البلاد·
لقد حاصرت الأزمة السياسية المتمادية مواقع الإنتاج اللبنانية، وأدت إلى إقفال المئات من المؤسسات الصناعية والسياحية والتجارية، وتسببت بهجرة عشرات الآلاف من اليد العاملة والكفاءات المهنية المدربة، وصاحبة الخبرات المشهودة، وحالت دون تمكين العشرات من المشاريع من التنفيذ أو التوسع والتطوير·
ويدرك القادة النقابيون، أكثر من غيرهم، أن هذه الأوضاع المتردية انتاجياً واقتصادياً ومالياً، لا تسهّل على أرباب العمل التجاوب الكامل مع المطالب النقابية، الأمر الذي يجب أن يوصل طرفي الإنتاج إلى تسوية مدروسة للأجور، تعزز صمود العامل والمنتج وصاحب الكفاءة بمواجهة الأزمة المعيشية الخانقة، ولا تؤدي بأرباب العمل إلى إقفال مؤسساتهم ومصانعهم، وتشريد الآلاف من العاملين والمنتجين في الشارع·
لقد ضاقت السبل أمام كل لبناني بسبب سياسة التعطيل الخرقاء، التي تكاد تعطّل الحياة في الوطن، من دون أن تتمكن من إسقاط الحكومة·· أو تجاوز إرادة الأكثرية!·
فليكن شعار يوم السابع من أيار: لا كبيرة لمحاولات ضرب الاقتصاد بالسياسة·