#dfp #adsense

قصة قديس: القديس شربل (الجزء الثاني)

حجم الخط

قصة قديس: القديس شربل
اقتباس ربيع يعقوب (الجزء الثاني)

أخيراً وصل يوسف الى دير سيدة ميفوق. وعندما تقدم من رئيس الدير سأله هذا الأخير:
– " شو جايي تطلب برهبنتنا؟".
فأجابه يوسف: "جيت أطلب مجد الله وخلاص نفسي".
– "بس إنت عارف يا بني صرامة الحياة الرهبانية وقهر الذات الواجب ع طالب الرهبنة".
– " بنعمة الله ودعاك يا بونا الريس. أنا مستعد قوم بالواجب".
– " ما دام هيك، تشجع يا بني، الله معك".

ثمانية أيام هي المدة التي يستطيع خلالها طالب الترهب أن يحتفظ بثيابه الدنيوية فيخالط المبتدئين ويشاركهم أعمالهم. في هذه المدة قرأ يوسف قانون الإبتداء بانتباه كلي وتوقف بلا شك عند البند التالي:" على المبتدىء افتداءً بسيدنا يسوع المسيح أن يطيع بسرعة وفرح وأن يتخذ رئيسه بمنزلة المسيح. وليعلم أن غاية الطاعة إنما هي إماتة الإرادة الذاتية من أجل التعلق المطلق بإرادة الرب التي يعلنها بفم الرئيس". وهذا تماماً ما فعله القديس طيلة سبع وأربعين عاماً.

ذات أحد ارتدى يوسف ثوب الإبتداء. كان مسموحاً له أن يحتفظ باسمه لكن القديس أراد أن يتخلى عن هذا الإسم قطعاً لكل علاقة بينه وبين ماضيه وذكرياته، فاختار إسم شربل وهو إسم لشهيد من كنيسة أنطاكية تعيّد له الكنيسة المارونية في الخامس من أيلول من كل عام.

في هذه الأثناء في بقاعكفرا، عبثاً بحث عنه ذووه الى أن سألوا خاله الأب أغوسطينوس فأخبرهم ما لا تكاد بريجيتا أن تجهله: "يوسف راح ع الدير يترهّب". بكت بريجيتا لكن إيمانها شدّ من عزيمتها، أما عمه طانيوس فلقد هاله الأمر خصوصاً أنه يعتمد على قوة ابن أخيه في العمل فأراد أن يذهب حتى ميفوق ليعيد معه الشاب الأحمق الهارب… وما أن وصل الى الدير ومعه بريجيتا حتى بادر الأب الرئيس بالقول: " يا بونا الريس، نحنا الفلاحين الفقرا ما فينا نستغني عن شب متل يوسف! بدنا نشتغل ونعيش. شو الله بيطلب من الإنسان يترك أهلو بدون رضاهم، أهلو النزفو دم قلبن تَ ربوه؟". وما أن وصل الأخ شربل حتى عاجله العم مهدداً: "آه، هادا إنت يا قديس! متصور إنك بتحب الله وقت البتبغض أهلك! واجبك إذا بتعرفو، تكون حد إمك تساعدا تَ تعيش! نحنا صرنا ختياريي، مين لنا غيرك؟ شو؟ منحمل كيس ومندور ع الشحادة؟".

بريجيتا: " قديش تحملت من العذاب تَ ربيتو وهلق وقت الصار قادر يسعفني وأنا ع حفة قبري بيتركني من دون ما يقول بخاطرك يا إمي! كنا مدبرينلو عروس… مريم من يوم التركتا دموعا نازلين…!"… .

– فقال شربل: " إمي، عمي! محبتكن غاليي ع قلبي، أنا ما بجهل قديش مديون إلكن، بس بحيث الله طالبني إلو وحدو ما عاد إقدر، ما بقاتكن تقدرو تقولو لأ".

عندها أخذت أمه يديه بيديها, وقالت له والألم يحز في قلبها: " إذا كنت مش رح تصير راهب منيح أحسن ترجع معي عالبيت، بس انا عارفي الله رايدك لخدمتو ورح قلك ولو كان قلبي موجوع، مستسلمة لإرادة الله: الله يكون معك يا ابني ويباركك ويصيرك قديس".

سنة أولى ابتداء

الإبتداء امتحان وتجربة، لا يصمد فيه سوى المدعو حقاً من الله. سنتين من الطاعة والعزيمة والإرادة والإندفاع يحتاجها المبتدىء ليكتسب ثقة رؤسائه. فعليه أن يغسل الثياب وأن يصنع الخبز وأن يحيك الأثواب. بالإضافة الى أعمال النجارة والفلاحة. هذا طبعاً عدا عن ترتيل الفرض سبع مرات في اليوم وصلاة منتصف الليل والتأمل والتمرس بأعمال التوبة وقهر الذات. ولا بد من الذكر أن بعض المسؤولين المشرفين على أعمال المبتدئين كانوا يعتبرون أن القسوة على هؤلاء ضرورية للتثبت من دعواتهم. لم تكن قسوة لتثني شربل عن دعوته بالطبع،إلا أنه كان عليه لكي يجيد القيام بالطقوس الخورسية والألحان الكنسية، أن ينسى ما كان قد اعتاد على أدائه بطريقة خاطئة في قريته وأن يتلقن عوضاً عن ذلك الألحان والطقوس الرهبانية الأصيلة. صامتاً وعنيداً كان يعمل، مقتدياً بأفضل الرهبان العائشين حوله. كان يصرف جهده قبل كل شيء على الإلتزام بالطاعة التامة وتقبل توجيهات المرشد الروحي بفرح وسلام.

في عنايا

انتهت سنة الإبتداء الأولى وأصبح لزاماً على الأخ شربل أن يتوجه الى دير مار مارون عنايا لكي يستعد لإبراز نذوره الأولى. هناك كان الأخ شربل يتطلع الى تلك المحبسة المتموضعة بين الكروم والسنديان، تلك المحبسة التي بُنيت عام 1798 بسعيٍ من الشابين الإهمجيَّين يوسف أبي رميا وداوود خليفة الذين استحبسا أنفسهما وعاشا في توية وصلاة وزهد، ومن ثم انضما الى الرهبانية المارونية اللبنانية ووهبا المحبسة لدير مار مارون المجاور. لكن قبل ذلك كان على الأخ شربل أن يبرهن في سنة الإبتداء الثانية عن جهد أكير في الكفر بالنفس أي في مغالبة الأهواء ومحاربة التجارب وإماتة الحواس وتطويع الجسد والتوق الى التضحية. ككل المبتدئين، كان عليه خلال أشغال الحقل أن يلزم الصمت مفكراً بالسماء زاهداً بالدنيا. كان الأخ شربل ماهراً في الإصغاء، يجاوب إن سُئل بإيجاز ووداعة. أما إن سُئل عن أمر تافه، فيكتفي بإيراد العبارة المألوفة في الرهبانية: " غفرلي ميشان المسيح". لقد كان مصمماً على تنفيذ القانون بشكل تام ومن ثم أصبحت نفسه تسمو على الفريضة وتفرض ما هو أقسى عليها، حتى تظل روحانيته سائرة في ارتقاء متواصل باتجاه الله.

إبراز النذور

بنهاية سنته الإبتدائية الثانية أي في العام 1853، وصل الأخ شربل الى مرحلة إبراز النذور الثلاثة وهي الطاعة والعفة والفقر. في المساء الذي سبق يوم النذور، خرج المبتدئون بعد العشاء الى غرفهم وبقي الناذرون وحدهم. سأل رئيس الديرالأب أنطونيوس الباني كل رهبان ديره الحاضرين: "معتقدين يا إخوتي بضميركن ووجدانكن إنو الأخ شربل مستحق تقبل الرهبنة ندوراتو؟". ومن ثم مرّ معلم المبتدئين وفي يده قبعة مبتدىء أمام الرهبان واحداً فواحداً ليضعوا فيها إما حبة قمح كعلامة على موافقتهم وإما حبة شعير كعلامة للرفض. في تلك الليلة لم يُعثر على أي حبة شعير، فقد أجمع الرهبان على قبول الأخ شربل. في اليوم التالي قبل القداس خرج الأخ شربل من السكرستيا مع رفاق مبتدئين بثياب بيضاء وأقدام عارية تتبعهم جوقة الخورس والأب المحتفل بالذبيحة يرنمون مزمور الخمسين، ثم بدأ القداس الإحتفالي. تقدم الأخ شربل من مذبح الرب جاثياً لافظاً بصوت واثق نذوره الرهبانية، فانضم بذلك الى هؤلاء الذين أرادوا أن يصبحوا قرباناً متواصلاً يضحوا فيه بأنفسهم في كل لحظة وساعة ويوم. قهر الذات والتضحية بها والطاعة أبرزها شربل في مثال سريع عندما جاءت أمه بريجيتا تزوره في تشرين الأول عام 1853، فخاطبها من وراء نافذة تعلو ثلاثة امتار دون ان يراها أو تراه. ولما اشتكت الوالدة بوجع: "هيك يا بني بتحرمني شوفتك؟". أجابها: "بكرا منلتقي بالسما ومنشوف بعضنا". بالطبع شربل لم يكن يعاقب أمه أو يتصرف بشكل لا إنساني. شربل كان يتحرق لرؤيتها ، إلا أن القانون هو صوت الله في أذن الراهب ووجدانه: " يجب على الراهب أن يمتنع عن معاشرة النساء ومحادثتهن حتى ولو كنّ من الألزمين".

الى كفيفان

ذات مساء استدعاه رئيس الدير وقال: "يا بني، مدة ابتداك خلصت. قدس الأب العام عينّك تلميذ تتكرّس وقتك للدرس اللازم للكهنوت. بكرا الصبح بكير بتروح ع دير كفيفان". قبل الفجر سافر شربل برفقة أحد زملائه. بعد ساعات من السير، وصلا الى دير مار قبريانوس في كفيفان، وكان حوالي خمسون راهب يختتمون صلاة الصبح في الكنيسة، فقرأا معهم التبشير الملائكي. بعد فحص الضمير خرج الجميع إلا راهب ظلّ جاثياً على ركبتيه فأسرّ رفيق شربل في أذنه مشيراً الى الراهب الجاثي: "هيدا بونا نعمة الله الحرديني، مسمايينو قديس كفيفان".

في النزهة كان التلامذة يتحدثون فراح أحدهم يرمق الأخ شربل ويعلق مازحاً: "شو مسكين هادا! محسب الإبتدا خُلِص. مش عارف منتظرو إبتدا جديد. لم يكن هذا التلميذ يعلم أن الأخ شربل يتعب إذا ارتاح ولم يكن يدرك أن الواقف في حضرته سيصبح علماً من أعلام البطولة النسكية .

 

 

 

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل