#adsense

الوضع المسيحي بند متقدّم في المفكرة الأميركية

حجم الخط

الوضع المسيحي بند متقدّم في المفكرة الأميركية
أفكار لترتيب البيت الماروني داخلياً وسياسياً

هيام قصيفي

احدى المسلمات التي تتعامل بها دوائر مسيحية فاعلة مع الازمة الحالية، هي ان اي تسوية سلبية او ايجابية تتعلق بالحل المرتقب، تؤسس لمستقبل المسيحيين في لبنان وتلقائيا في الشرق، بعد 17 عاما على اتفاق الطائف.

وانطلاقا من هذه المسلمة تتكثف اللقاءات التي تعقد بعيدا من الاعلام، برعاية روحية عالية، وعلى اكثر من مستوى لمعالجة مختلف الملفات المتعلقة ببنية المجتمع المسيحي ومستقبله. وعلى رغم الوتيرة المتمهلة التي تسير بموجبها هذه الاجتماعات، بدأت تكون دائرة موسعة من الاهتمام بالشأن المسيحي الداخلي، بعيدا من المناكفات السياسية اليومية، استنادا الى مؤشرات اقليمية ومحلية مقلقة عن الاخطار الجدية التي بدأت تقرع باب المسيحيين.

من هنا يتبلور الاهتمام بالوضع المسيحي على خطين: الاول يتعلق بالكنيسة المارونية في ذاتها، وسط اهتمام فاتيكاني متطور بملفاتها الداخلية تبلور سواء في الفاتيكان، او عبر السفارة البابوية في لبنان، والتي شهدت في الاسابيع الاخيرة ورشة اهتمام فائق بالوضع المسيحي الداخلي.
اما الخط الثاني، والذي يؤدي الفاتيكان فيه ايضا دور فاعل، فيتمثل بحضّ الادارة الاميركية على دعم المسيحيين في لبنان، والدفع في اتجاه اجراء انتخابات رئاسية فيه.

لكن الفاتيكان بحسب اوساط سياسية رفيعة على صلة وثيقة بدوائر ديبلوماسية فيه، مدرك تماما حساسية التشعبات الاقليمية والدولية، ويتعامل مع الملف اللبناني من زاوية حرصه على وضع المسيحيين في لبنان ودول المنطقة وسوريا من بينها. وهو اذ يدفع في اتجاه ترتيب بنية الكنيسة المارونية، استنادا الى مقررات السينودس من اجل لبنان، يدرك في الوقت نفسه، خطورة المس بمسلمات اساسية تتعلق بهرمية الكنيسة، ولا سيما في هذا الوقت العصيب الذي يمر به مسيحيو لبنان، اثر فقدانهم الموقع المسيحي الاول.

ويتقاطع هذا الاهتمام الفاتيكاني مع دخول واشنطن على الخط المسيحي، عبر اللقاءات التي يعقدها المسؤولون فيها مع عدد من القيادات المسيحية والتي انحصرت حتى الان بقيادات من الاكثرية، كالرئيس امين الجميل والوزيرة نايلة معوض ورئيس الهيئة التنفيذية لحزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع.

والواقع ان العلاقة الاميركية مع المسيحيين منذ اواخر الثمانينات، لم تعد منذ خروج العماد ميشال عون من لبنان مبنيّة على عامل ثقة متوازن، ولا سيما مع تفاقم وضع اليد السورية على لبنان، وبروز المعارضة المسيحية تدريجا لتشكل لاحقاً خميرة لنداء المطارنة الموارنة عام 2000، وتشكيل "لقاء قرنة شهوان"، ليتفاعل بعد ذلك الدور الذي اضطلع به عون و"القوات" والمعارضة المسيحية، سواء من خلال قرار محاسبة سوريا او لاحقا بعقد مؤتمر لوس انجلس الماروني العام في حزيران عام 2002، وتصاعد الحملة الداخلية ضد المشاركين الموارنة فيه.

بخروج الجيش السوري من لبنان، وعودة عون وخروج جعجع من السجن، صار للعلاقة الاميركية مع المسيحيين، منظور آخر، بعد تشكل قاعدة مختلطة للمطالبة باستقلال لبنان. لكن ما حدث بانفراط عقد المسيحيين جعل الاميركيين يوجّهون قاعدة حركتهم في اتجاه النائبين وليد جنبلاط وسعد الحريري، ممثلين وحيدين لمجموعاتهما الطائفية. وقد تقاسم المسيحيون العلاقة مع الاميركيين، فأقام مسيحيو الاكثرية علاقة وثيقة وثابتة معهم، فيما وقف عون معارضا المواقف الاميركية، حتى تضاءلت الزيارات التي كان يقوم بها السفير الاميركي سابقاً جيفري فيلتمان، وديفيد ولش للرابية. استمر عون في موقفه المتشنج من الادارة الاميركية، بعد وثيقة التفاهم مع "حزب الله"، الى حد انه قابل عرضا اميركيا نقله احد النواب الديموقراطيين الذين زاروا بيروت الى وسيط لبناني، بسؤال مفاده" ماذا ستقدم الينا واشنطن في المقابل"؟ فوجىء النائب الديموقراطي، الذي رد بالقول ان واشنطن لا تعطي سوريا او ايران، فكيف يمكن ان تعطي عون؟

اذاً، بين خطين متوازيين سارت علاقة الاميركيين مع القيادات المسيحية. لكن المشكلة ان تواصلهم الحقيقي مع الاكثرية استمر عبر الحريري وجنبلاط، ولو عقد مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الاوسط ديفيد ولش لقاءات جماعية مع عدد من شخصيات 14 آذار. ولكن ظلت قطبة مخفية في تعامل الادارة الاميركية مع المسيحيين، وبقي شعور عميق لديها، غذاه الفاتيكان والبابا تحديدا، الذي كان لأصله الالماني وتواصله مع برلين دور محوري، في هذا المجال، لجهة ضرورة "حماية" الوجود المسيحي السياسي في اي تركيبة او تسوية يقبل عليها الاميركيون في لبنان. من هنا توالت زيارات قيادات الاكثرية المسيحية لواشنطن، في محاولة لتوزيع "العدل الاميركي بالقسطاس" بين قيادات الصف الاول لدى الاكثرية، فلا تمييز لشخصية على اخرى، مهما كان موقعها، من اجل استكشاف امكانات هذه القيادات في رسم مستقبل المسيحيين في لبنان ودورهم السياسي المستقبلي.

لكن زبدة هذه اللقاءات ستكون مع البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير. ولا تكمن اهمية اللقاءات المتوقعة في ما يمكن ان ينتج من مواقف تتعلق بالانتخابات الرئاسية، لكون صفير متمسّكاً برفض النصف زائد واحد، وهو موقف يلتقي فيه مع المعارضة، التي تنتقد بشدة مواقفه من قانون الانتخاب وغيره. فأهمية اللقاءات التي ستعقد على هامش زيارة صفير الاكاديمية والرعوية، هي انها ستجعل الوضع المسيحي مجددا بندا متقدما على الاجندة الاميركية، وستعيد الى المسيحيين حضورهم على الساحة الدولية، التي غابوا عنها طويلا. لكن المشكلة تبقى في ترجمة هذا الحضور، ومن هو قادر على ترجمة المنحى المتجدد، في اي لحظة دولية واقليمية يراد من خلالها رسم مسار جديد للبنان، سواء اذا انتخب رئيس جديد للجمهورية الحالية أو أعيد تركيب الجمهورية على أسس جديدة تنقض الطائف.

المصدر:
النهار

خبر عاجل