سئمنا الحوار… متى القرار؟
دافيد عيسى
لعلّ الكلمة الاكثر شيوعاً في الوسط السياسي اللبناني في المرحلة الاخيرة هي الحوار، ولعل الانطباع الابرز والاعتقاد الارسخ لدى اللبنانيين هو عدم تصديقهم لهذا الحوار لكثرة ما استهلك واستعمل من دون نتيجة تذكر او فائدة تنفع.
ولعلمهم الأكيد أن الحوار ما هو الا جرعات أمل ليس الا.
هو حوار الطرشان بين الموالاة والمعارضة تحكمه ازمة ثقة عميقة بين الطرفين تدفع كلاً منهما الى الشك والتوجس والريبة من نوايا الطرف الآخر والعكس الصحيح. فالشروط المتبادلة لا تعكس نية صادقة بالحوار والسجالات القاسية لا يجد اللبنانيون ترجمتها سوى في مزيد من الاحتقان الشعبي والاصطفاف المذهبي والتشرذم الوطني.
الموالاة تصر على انتخاب العماد ميشال سليمان كشرط للحوار وهدف نهائي واساسي له.
والمعارضة ترد باشتراط تحقيق مطالب "السلة" اي حكومة يكون فيها الثلث المعطل والكلمة المؤثرة في القرارات المصيرية وتريد قانون انتخابات ومراكز وتعيينات امنية وعسكرية وادارية قبل القبول بالنزول الى ساحة النجمة وتأمين النصاب المطلوب لانتخاب الرئيس العتيد للجمهورية.
المعارضة ترفض الذهاب الى الحوار بشروط الموالاة، والموالاة ترفض الحوار اذا لم يكن مقروناً بانتخاب العماد سليمان. انتخاب الرئيس او لا حوار والاتفاق السياسي او لا قبول بانتخاب العماد سليمان. هذه هي المعادلة.
لم يعد خافياً على احد من المتعاطين في الشأن اللبناني والفاعلين الاقليميين واللاعبين الدوليين ان الوضع في لبنان بات محكوماً برهانات ومعطيات و "انتظارات" تشكل خيارات مستقبلية وتصورات لطرفي الازمة في لبنان والفرقاﺀ الذين يدعمونها.
مصدر بارز في الاكثرية يقول ان رهان قوى 14 آذار الاساسي هو على بدﺀ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عملها وما ستؤدي اليه من تغيير في قواعد اللعبة لجهة الاحراج والضغط الذي ستشكله على سورية وحلفائها في لبنان والمنطقة، مما سيدفع سورية الى توتير الوضع السياسي وهذا لا قدرة لسورية على تحمله.
وسيساهم بتخفيف القبضة السورية على الساحة اللبنانية الداخلية.
ويؤكد المصدر ان ما تقوم به سورية حالياً من "مناورات" في شأن السلام مع اسرائيل وابداﺀ المرونة الظاهرية في القبول بانتخاب العماد سليمان هو من باب تقطيع الوقت ومحاولة لفك عزلتها.
ويضيف المصدر ان هناك قراراً متخذاً بين السعودية والولايات المتحدة والغرب بصورة عامة للوقوف في وجه المد الايراني في المنطقة واعادة ايران الى حجمها الطبيعي ولا سيما في لبنان والعراق وفلسطين وذلك يكون من خلال قطع شريان الامداد الحيوي لحزب الله وحماس والشيعة المتشددين المؤيدين لإيران في العراق والذي يتمثل بالنظام السوري.
وتبدو الموالاة مرتاحة الى الاستراتيجية الاميركية ــ المعلنة على الاقل ــ لجهة منع ايران وسورية من تحقيق اهدافهما ولا سيما في لبنان ومنع اسقاط حكومة فؤاد السنيورة التي تشكل الترجمة العملية والمنطقية والطبيعية لثورة الارز وانتفاضة الاستقلال والعمود الفقري لقوى الرابع عشر من آذار.
ويتابع المصدر ان 14 آذار تراهن على نفاد صبر السعودية من سورية التي ذهبت بعيداً في التحالف مع ايران على حساب العرب وفي ترجيح المصالح الايرانية على المصالح العربية وفي الوقوف الى جانب طهران بشكل نافر وتفضيل العرقلة الايرانية على الحل العربي، مؤكداً ان الدعم السعودي غير المسبوق لقوى الرابع عشر من آذار والوقوف العلني الى جانب انتفاضة الاستقلال لا يمكن ان يأتيا من فراغ وبنزوة عابرة او عاطفة موقتة بل لان السعودية حاولت جاهدة ولسنوات مضت اعادة سورية الى الحضن العربي واقناعها بالخيار العربي من دون جدوى فكان لا بد من المواجهة مع دمشق وان الفرصة اعطيت لسورية اكثر من مرة لكنها لم تتلقفها بل مضت في الاستفزاز والتحدي ومحاولة العودة الى لبنان بكل الوسائل من دون ان تقتنع ــ اي سورية ــ بأن زمنها ولى في لبنان وان عصرها انتهى وان نفوذها لم يعد ابداً كما كان عليه قبل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وجميع شهداﺀ ثورة الارز.
ويتابع المصدر ان 14 آذار تراهن وبشكل اساسي على قرار سعودي ــ عربي استراتيجي يقضي بمنع سورية من الاستفراد بلبنان وبأن للعرب ــ وليس دمشق ــ الدور الاكبر والكلمة الافعل في مساعدة لبنان على الوقوف مجدداً على رجليه وان الرياض لن تقبل بعودة دمشق الى لبنان لتحكمه رغم عدم اقتناع دمشق حتى الساعة بهذا الموضوع ومحاربتها لهذه الفكرة.
مصادر بارزة في المعارضة تقول انها غير مقتنعة بنية الموالاة في الحوار وترى انها (اي الموالاة) غير قادرة على القبول بالسلة وحكومة الوحدة وقانون الانتخاب لأسباب داخلية ستؤدي الى تفجيرها من الداخل واعلان الطلاق بين اركانها انطلاقاً من المعطيات والشروحات والتقديرات الآتية: اولا ــ بالنسبة الى حكومة الوحدة الوطنية، سيؤدي دخول العماد عون فضلاً عن حصة حزب الله وامل في الحكومة الجديدة فضلاً عن وزراﺀ الرئيس الجديد الى خسارة مسيحيي 14 آذار لمواقع يريدونها وسيكشف حجمهم الحقيقي ووزنهم الفعلي لان الحصة الاساسية للمسيحيين ستكون من نصيب العماد عون ورئيس الجمهورية العتيد والباقي يوزع على 14 آذار وهذا ما لا يقبله مسيحيو 14 آذار.
ثانياً ــ سيؤدي القبول بقانون 1960 ولو معدلاً الى تغيير في المعادلات الانتخابية في المناطق ولا سيما في جبل لبنان والشمال وبيروت التي سيذهب نصف نوابها على الاقل الى غير الكتل التي ينتمون اليها حالياً ولا سيما النواب الارمن اذا تمت اعادة تقسيم بيروت وفقاً لقانون 1960.
ثالثاً ــ خروج الرئيس السنيورة من رئاسة الحكومة ومجيﺀ رئيس حكومة جديد مع ما يعنيه ذلك من افول للحقبة الماضية بدعمها الاميركي ــ الفرنسي ـ وبعض العرب المباشر لينتقل الدعم الى رئيس حكومة يكون اكثر قبولاً من المعارضة حتى ولو كان النائب سعد الحريري وهو ما يفسر قبول الحريري بالتسوية التي ليست من دون مقابل بل بأن يكون هو رئيساً للحكومة.
هذا ما تقوله المعارضة والموالاة. لكن ماذا يقول اللبنانيون؟ يقولون ببساطة: سئمنا الحوار ونريد القرار.