#dfp #adsense

المطـــــــــــار

حجم الخط

المطـــــــــــار

رغيف العمال مغمّس بالعرق. لكن ثمة من يريد تغميسه بالدم. وهكذا مرة ثانية او ثالثة شاهد اللبنانيون في الساعات الماضية مسطرة أكثر وضوحاً عن الجحيم الذي يندفعون أو بالأحرى يُدفعون اليه، وهم بالكاد خرجوا منه بعد 17 عاماً من الحروب الأهلية التي لا يزال جمرها تحت رماد العقول!
طبعاً لم يكن في وسع الأرغفة ولا في وسع الأراجيف التي أطلقها السيد غسان غصن ان توفّر المظلة المطلبية لخريطة الحرائق وقطع الطرق. فالحديث عن إضراب حضاري وسلمي سقط مرتين:

مرة لأن حفنة من النقابيين فقط حضرت مع السيد غصن الى مقر الاتحاد للتظاهر بما يؤكد ان القسم الأكبر من العمال كانوا ضد الاضراب وضد التظاهر.

ومرة ثانية عندما أضيفت إلى الاضراب فكرة التظاهر التي أصر رئيس الاتحاد (وأي اتحاد؟) على ان تسلك منطقة حساسيات واحتكاكات مقلقة ومتراكمة من البربير الى مصرف لبنان عبر منطقة المزرعة التي تحوّلت منطقة تماس مذهبي سيكولوجياً على الأقل، ولأسباب ليست خافية على السيد غصن الذي بدا مدفوعاً لاستمطار مشكلة لا لرفع شعارات مطلبية.

❒ ❒ ❒

إذاً، لنضع قصة التظاهر جانباً، فهي ذريعة لا تغطي حقيقة ما جرى وما قد يجري بعدما تحولت شوارع عدة من منطقة البربير الى المصيطبة مروراً بالمزرعة ساحات للتراشق بالحجارة والاتهامات والضغائن وبالرصاص أيضاً ولكأن هذا الهشيم في حاجة إلى نار ليشتعل!
ولعل ما يعمّق المأساة ان عمليات الكرّ والفرّ وإحراق الاطارات وقطع الطرق وخصوصا طريق المطار، استمرت طوال نهار امس من دون ان يطل على اللبنانيين المرتعدين هلعاً مسؤول حزبي او قيادي يحاول فرملة ما يجري، ولكأن ما يجري هو تماماً كما قلنا "بروفة" جديدة لاحتمالات المعركة الحاسمة بين إسبارطة وأثينا. اذاً، فلتُدرس كل الاحتمالات ليوم الحسم العظيم. ذلك اليوم البائس الذي سيشهد بالتأكيد هزيمة اللبنانيين جميعاً وسقوط لبنان واندثاره.

❒ ❒ ❒

ولا ندري ماذا سيقول السيد حسن نصرالله في مؤتمره الصحافي اليوم. ولكن يبدو واضحا منذ الآن انه اذا تم ربط فتح الطرق الى المطار بتراجع الحكومة عن قراراتها الاخيرة، نكون قد دخلنا فعلاً منطقة "الشر المستطير" التي لن يخرج أحد منها إلا مثخناً بالجروح والآلام وملوثاً بوحول الحرب المذهبية الأهلية التي لا تتّسع لاي انتصارات أو منتصرين بل لشيء واحد هو انهيار لبنان ليعود من يبقى بعد عقد او اكثر الى الحوار فوق ركام الوطن والناس طبعا!

لماذا هذا الكلام؟
لان الانقسام تجاوز كل الحدود. فالقصة ليست قصة مطار يمسك "حزب الله" بخناقه كما قيل، لإجبار الحكومة على التراجع عن قراراتها، ولا قصة حكومة تسعى المعارضة الى اسقاطها بأي ثمن ولو بلغت الاثمان استحالة حصول العمال على لقمة من الرغيف الذي تقرع طبوله الآن في لبنان كما في كل الدول النامية في العالم.

القصة الآن صارت قصة دولة، اما ان تبقى او تندثر ويندثر معها لبنان.
ومن الواضح تماماً ان الامور وصلت الى مرحلة شبه قاتلة. ففي اللحظة التي قد تلحس الحكومة قراراتها الاخيرة، وهو امر لا يمكن ان يحصل لان اهل الحكومة يعرفون تماما ان التراجع عن هذه القرارات المتصلة بقيادة جهاز امن المطار وبشبكة الاتصالات التي اقامها "حزب الله"، انما يعني عمليا انهيار آخر معالم الدولة في لبنان. اي أولا مرجعية القرار الممثلة بالسلطة التنفيذية، رغم قول المعارضة انها غير شرعية وغير دستورية. وثانيا مرجعية تطبيق القانون الممثلة بالسلطة الامنية اي الجيش وقوى الامن الداخلي.

وفي المقابل يقول "حزب الله" ان شبكة الاتصالات التي أقامها تعتبر جزءا من سلاحه وهو لا يريد التخلي عن هذا السلاح والقصة هنا معروفة منذ زمن بعيد!
اما في ما يتعلق بالعميد وفيق شقير قائد جهاز أمن المطار فان الذين يعرفون مناقبيته ومعدنه الانضباطي، ونحن منهم، يدركون تماما انه الآن أسير حرج شخصي لم يكن يريد قط ان يواجهه. فقد يكون قد حصل تقصير في عمل عناصر من جهاز الامن الذي يقوده، ولكن الصراع السياسي المحتدم الى حدود باتت تتهدد مصير لبنان وضعه الآن أسير الحرج كما ان المطار أسير جبال الركام التي رفعت على طرقاته.

❒ ❒ ❒

لا ندري ماذا سيقول الامين العام لـ"حزب الله" اليوم. ولكن من موقع متجرّد كليا نود لفته الى ما ليس غائبا عنه بالتأكيد، اي المطار وما يعنيه على المستوى الوطني الشامل.
فالمطار الذي شكّل منذ زمن بعيد قبل ظهور "حزب الله" وبعد سطوة هذا الحزب، مكسر عصا في الصراعات السياسية ليس مرفقا حيويا فحسب ولا مساحة جغرافية طبعا، وليس هو مرفأ جوياً من حجارة وزجاج.

والمطار ليس لجماعة 14 آذار ولا لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، ولا لعائلة الحريري وإن يكن يحمل اسم الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
والمطار ليس للمعارضة. لا هو للسنة ولا للشيعة ولا للمسيحيين ولا للدروز او الارمن وبقية الطوائف في هذا البلد البائس.
المطار هو للبنان شيء اساسي. له قيمة معنوية ورمزية ثمينة. انه مثل بعلبك او الارز او قلعة صور او صيدا، او حتى العلم او النشيد الوطني.
المطار هو رئة الوطن. رئة كل لبناني مقيم او مغترب او مسافر. المطار هو بوابة الوطن الوحيدة. المطار هو المدخل الى لبنان، وهو المخرج منه. المطار هو عنوان الوجود في حركة الاسفار ومواقع الاوطان.

وان كل مواطن لبناني هنا او في الخارج، شيعيا كان ام سنيا ام مسيحيا ام درزيا ام غيره، كان يحس امس ان الشاحنات لم تكن تلقي بالردم والركام على طريق المطار فحسب، بل كانت تلقي الردم ايضا على صدره وكأنها تحاول خنقه!

المصدر:
10452lccc.com Website

خبر عاجل