مأزقهم وصمودنا
نجحت ميليشيات "حزب الله" وحركة "أمل" في تنفيذ انقلاب عسكري في عدد من المناطق اللبنانية. لا يشكك أي لبنان في صحة هذا الواقع.أما المفارقة الغريبة العجيبة فتكمن في ظهور مسلحي الحزب السوري القومي الاجتماعي فجأة وانتشارهم في عدد من شوارع بيروت بالتنسيق مع "حزب الله".
وهكذا حاول أطراف 8 آذار إهداء انقلابهم الى النظام السوري، فعلقوا صور رئيس البعث السوري بشار الأسد في شوارع بيروت التي لفظته في 14 آذار 2005 فخرج منها ذليلا في 26 نيسان 2005.
بعض من الصغار الصغار هلل لما حصل. بعض الذين قاوموا سوريا احتفلوا بالأمس تحت راية بشار. أهدروا دماء الشهداء وتضحيات المناضلين لهثا وراء سراب كرسي في بعبدا… لن يصلوا اليه مهما تفانوا في عمالتهم.
ويبقى السؤال: ماذا بعد؟
ماذا بعد أن احتلت ميليشيات "حزب الله" وحلفائها في "أمل" والقومي السوري في فرض سلطتهم الميليشيوية على بعض ساحات بيروت؟ كيف سيصرفون ذلك سياسيا؟
الحكومة لن تستقيل، ولن تتراجع عن قراراتها السيادية التي اتخذتها مساء الاثنين الماضي.
مهما فعلوا فلن يحصلوا على أي مكسب سياسي، مهما كان الثمن.
جل ما في الأمر أن الانقلابيين انزلقوا الى مأزق لن يسلموا منه. فـ"حزب الله" أسقط نفسه الى غير رجعة وطنيا وسياسيا. وسقط معه سلاحه سقوطا مدويا. لم يعد أي لبناني عاقل يقبل باستمرار سلاح "حزب الله" ولو ليوم واحد تحت أي شعار.
والأهم أن ما حصل كشف العورات التي اعترت تطبيق اتفاق الطائف، بدءا من نزع سلاح الميليشيات. وما ظهر في شوارع بيروت أن كل الميليشيات السورية والايرانية في لبنان أبقت سلاحها واستعملته ضد اللبنانيين العزل.
ولكن مهلا، مهلا!
فعلى الجميع أن يعيدوا حساباتهم جيدا. قوى 14 آذار لم تسقط أبدا. قوى 14 آذار استمدت شرعيتها الشعبية من مبادئها السيادية ومن سلمية تحركاتها منذ شباط 2005.
قوى 14 آذار كانت دائما في موقع المتلقي للضربات وكانت تصمد دائما، منذ محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة واغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري مرورا بكل الاغتيالات التي طالت قادة هذه الحركة الاستقلالية، ومنهم جبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وأنطوان غانم.
لم تقم جماهير 14 آذار يوما بردّ فعل انتقامي. قدموا الشهداء لتسمر مسيرة السيادة والاستقلال.
ولكن، وفي الوقت نفسه، يخطئ البعض إن ظن أن بإمكانه أن يحسم سياسيا باستكمال الحسم العسكري. فإن كان مشروعه يقضي باستكمال الحسم العسكري في بقية المناطق، وتحديدا المناطق المسيحية، فإن هذا المشروع سيبقى أضغاث أحلام.
ثمة فارق أساسي في التعاطي مع المناطق المسيحية. فتاريخ المسيحيين واضح ولن يقبلوا في أي شكل من الأشكال أن يفكر أحد، ولو للحظة، أنه يتمكن من أن يتعاطى معهم من موقع فوقي أو وكأنهم "أهل ذمة". وفي التاريخ أكثر من عبرة لعل من المفيد أن يتعظ المعنيون منها.
لذلك فأمام المأزق الذي وقعت فيه ميليشيات سوريا وإيران في لبنان، لن يكون موقف قوى 14 آذار إلا المزيد من الصمود السياسي في وجه الانزلاق العنفي لجماعة 8 آذار. وأيا يكن الواقع الذي حاول "حزب الله" فرضه فإن منطق الحق ومنطق الدولة سيتغلب على منطق الميليشيات، فكيف إذا كانت هذه الميليشيات برتبة عصابات سورية؟!