#adsense

السقوط

حجم الخط

السقوط
احمد عياش (النهار)

ما أقدم عليه "حزب الله" ليل 8 أيار هو إلقاء كل حجارته في البئر التي يشرب منها: بيروت. سيندم طويلاً على ما فعل عندما يكتشف، اذا لم يكن قد اكتشف بعد، ان الاهانة التي ألحقها ببيروت هي بحجم المرارة التي ألحقها بمئات الالوف من سكان هذا المكان ومعهم مئات الملايين في لبنان والعالم جراء هذا النكران للجميل الذي كانت هذه المدينة تمنحه لكل الذين يفتشون عن ملاذ لحرياتهم وكفاحهم في سبيل قضاياهم الوطنية والقومية والأممية.

انه رصاص العار الذي أطلق على أهل المدينة وممتلكاتهم. انهم مدنيون بكل ما في الكلمة من معنى. وبالتالي فإنهم أبرياء عزل مظلومون. ويا للهول ان من أطلق النار عليهم هو من أحتل أفئدتهم عندما كان في صورة البراءة يقاتل من أجل حرية وطنه.

عندما اندفعت آلة "حزب الله" العسكرية لتدك "حصون" تيار "المستقبل" الاعلامية والطبية والتربوية والاجتماعية وقعت المصيبة الكبرى. فهذه أمكنة تمثّل رمزاً انسانياً وعملاقاً اسمه رفيق الحريري الذي يدين له "حزب الله" بالكثير الكثير. لا يمكن تفسير ما جرى إلا بأنه الحقد بعينه بأمه وأبيه.

النيران التي أتت على صورة الحريري في مبنى تلفزيون "المستقبل" القديم في الروشة أحرقت القناع الذي توارى خلفه قتلة الحريري. وكاتب هذه السطور لا ينسى ابداً ذلك اليوم من عام 2004 عندما حضر الحريري الى المبنى ليخاطبنا بعد الدمار الذي ألحقه الصاروخان الحاقدان بالمبنى: "أنا من يستهدفون فلا تُبالوا. وها أنا باق معكم مهما اشتدت الضغوط". وفعل الامر نفسه عشية استشهاده في شباط 2005 عندما ذهبت الى جمعية بيروت للتنمية التي تعني بتوزيع الزيت على المحتاجين ليقول "أنا باق معكم". ثم بعدما صبوا زيت حقدهم على نيران الانفجار الرهيب خرج في 14 آذار 2005 روحاً ليجدد القول: "أنا معكم". والآن، بعدما اجتاحوا عناوينه في بيروت سيهدر صوته عالياً حتى يصم آذان من ظنوا انهم انتصروا.

هل فكّر "حزب الله" انه من حيث يدري وهي مصيبة، أو لا يدري وهي مصيبة أعظم، أعطى البرهان على عدم الوفاء لمسيرة الخير العظيم الذي زرعه الحريري ويواصل نجله النائب سعد الحريري السير على خطاه؟

ولو تمهل الجناة الذين اجتاحوا "حصون" المستقبل لادركوا انهم يجنون على أنفسهم قبل غيرهم. فليعودوا مجدداً الى ملفات مؤسسة الحريري التربوية ويقرأوا اسماء الآلاف من أبناء الجنوب الذين وصلوا الى أهم جامعات العالم لينالوا فرص العمر التي تبدد ظلمات أحوالهم وأحوال وطنهم. وليدققوا في سائر ملفات مؤسسات الحريري وليعلموا حجم انسباء "حزب الله" وسائر الاتجاهات والطوائف والمذاهب الذين يتلقون الخير منزّهاً عن الهوى والتوظيف و"تربيح الجميل".

انه جرح عميق جداً تسبب به "حزب الله". وآه لو يدرك الآن، قبل فوات الاوان فداحة ما فعل.

وكم هي الحجة واهية اليوم عندما يجري تبرير الجرح بالسياسة. ولو شاء نصيحة لن يجود بها الحاقدون والمنافقون وذوو القلوب السوداء، فستكون: إذهب يا سيد حسن نصرالله الآن الى قريطم. إقرع الباب. عانق الشيخ سعد الحريري. اعتذر منه. ثم أهبط الى ضريح الرئيس الشهيد الحريري واقرأ الفاتحة أمامه واعتذر. ثم أطل على العالم عبر شاشة أو سواها واعتذر. هذا اقل ما يجب أن تناله بيروت منك اليوم وقبل فوات الاوان. 

المصدر:
النهار

خبر عاجل