#adsense

تراجع الحكومة يضع الجيش أمام الاختبار

حجم الخط

التطورات المأسوية فاجأت المجتمع الدولي وأربكته في لحظة غير متوقّعة
تراجع الحكومة يضع الجيش أمام الاختبار
روزانا بومنصف (النهار)

فوجىء المجتمع العربي والغربي بتطورات الايام الاخيرة، بدءا بقرارات الحكومة وصولا الى اجتياح "حزب الله" مدينة بيروت فطريقة تعامل الجيش مع الاوضاع. ولم تخف دول مؤثّرة استغرابها الشديد لاداء الجيش والذي وصف بـ"الحياد السلبي المفرط". كل هذه التطورات لم تدخل في حساب الاميركيين الذين يركزون في هذه المرحلة على زيارة الرئيس الاميركي جورج بوش للمنطقة من اجل دفع مسار السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين، ولا في حساب الاوروبيين وحتى الدول العربية. فقد اربك الوضع الجميع وظهر هذا الارتباك جليا في المعلومات التي تناقلتها الاوساط الديبلوماسية ومواقف الدول المعنية. وبدا كما لو ان الافرقاء الداخليين ذهبوا بعيدا في خطوات غير مدروسة جرّت الدول المهتمة بالوضع اللبناني قسرا الى اعادة التركيز على التطورات المأسوية، ولذلك فإن عامل المفاجأة برز في شكل اساسي في رد الفعل الخارجي الذي بدا متمهلا في ابداء اي موقف حاسم قبل استطلاع مواقف الدول التي تدعم "حزب الله" على رغم الرفض المبدئي القوي لاجتياح بيروت، بما يعنيه ذلك من رفض لتغيير وجه لبنان السياسي على نحو لا يمكن معه القبول اطلاقا بما حدث. فاذا كان العالم لم "يهضم" حتى الآن احتلال حركة "حماس" لغزة، فلا يمكنه هضم التطور الاخير في لبنان.

لكن للعالم الخارجي أولوياته وروزنامته وآليته، في حين ان الامور متسارعة ولا تحتمل الانتظار طويلا. فالانقلابات في الغالب تسعى الى فرض أمر واقع، أياً تكن طبيعته، وعامل الوقت يؤدي دوره. وبدا المخرج اقرب الى ضرورة ان يكون داخليا اكثر منه خارجيا عند هذا الحد من الازمة، بما يعيدها الى قواعدها الاساسية لحصر الاضرار وتجنّب الاسوأ، وخصوصا ان الحزب بدا غير مبال باجتياح بيروت السنية ولا الجبل الدرزي ولا بتحوله تنظيما مسلحا داخليا فقد الغطاء الشرعي من القوى الاخرى لسلاحه. ولذلك فان الكلمة التي ادلى بها الرئيس فؤاد السنيورة انطوت على تراجع في امر اساسي يتعلق بالقرارين اللذين اتخذتهما الحكومة، ولو انه المخرج الذي كان اقترحه النائب سعد الحريري، أي وضع القرارين في عهدة الجيش، ورفضه "حزب الله"، ثم تبناه رئيس مجلس الوزراء ايضا بما يمكن ان يعتبره كثيرون استسلاما من الحكومة امام اجتياح بيروت وانتقال الحروب الاهلية الى كل المناطق الاخرى. لكن الحزب شاء الذهاب ابعد من "الاستسلام" الى، "اذلال" الحكومة على ما فهم ديبلوماسيون عاملون على خط استقصاء خلفيات ما يجري، عبر رفضه التراجع عما يقول انه عصيان مدني، والاكتفاء بالتراجع فقط عن المظاهر المسلحة انطلاقا من رسائل وجهها الى الحكومة بانه ليس على الجيش ان ينفّذ هذا الحل، بل على الحكومة ان تتراجع صراحة وعلنا عن قراريها، مقدمة لاستمرار الضغوط من اجل الحصول على استقالة الحكومة واعلان الحزب انتصاره. فهو لم يرغب في مخرج يحفظ ماء الوجه للجميع، بل أراد الذهاب الى الحد الاقصى، علما ان لا مصلحة للحزب على المدى البعيد في الاستمرار باحتلال العاصمة واقفال مطارها. وبدا واضحا ان الامور سترتد سلبا عليه ولو ان الانطباع لدى الجميع انه لا يأبه لها.

وبدا واضحاً لديبلوماسيين مطلعين من كلام السنيورة كما من كلام غالبية اركان الاكثرية انهم فوجئوا باداء الجيش ورأوا انه لم يقم بواجبه الاساسي في منع اعتداء تنظيمات سياسية مسلحة على ممتلكات عامة وخاصة واجتياحها العاصمة، وعلى رغم ذلك اضطرت الحكومة في غياب البدائل الى وضع الحل في عهدته على اساس ما قاله السنيورة بالذات، من انه لم يعد من طرف حيادي في لبنان، وتاليا يجب اللجوء الى الجيش ليفصل بين الفريقين.

الا ان عدم تجاوب الحزب مع الاقتراحات التي عُهد فيها الى الجيش، ومن بينها فتح الطرق، قد يأخذ الامور الى منحى آخر. فالحكومة وقوى الغالبية وافقت على الاجراءات التي اتخذتها قيادة الجيش في شأن ابقاء رئيس جهاز امن المطار العميد وفيق شقير في منصبه ومعالجة شبكة الاتصالات الخاصة بـ"حزب الله" مع سلاح الاشارة في الجيش، وهي موافقة تحرج الحزب متى أصبح في الساعات المقبلة في مواجهة مباشرة مع الجيش، اذا اصر الحزب على ابقاء الطرق مقفلة وتعطيل المطار والمرفأ. فالجيش سلّف الحزب الكثير في الايام الاخيرة الى درجة جعلت الكثيرين، في الداخل والخارج، يخشون للمرة الاولى منذ عام 1975 على دور الجيش. ثم طرحت قيادة الجيش تسوية يمكن اعتبارها حلا وسطا معقولا اذا أُريد للوضع ان يقف عند حدود التدهور الخطر. وهذا يرتب على الحزب في الساعات المقبلة مسؤولية اكبر مما كانت في كل الحقبات التي سبقت مساره وعمله، مقاوما كان ام حزبا سياسياً لان اتساع الفتنة في الساعات الاخيرة أظهر ان الحزب لا يأبه الا بتحكيم شروطه، في حين حقق ما طالب به السيد حسن نصرالله، ايا يكن الثمن الذي سيدفعه لبنان. 

المصدر:
النهار

خبر عاجل