نار بيروت تحت رماد التسوية والفتنة المتمدّدة
الجيش يواجه تحديات المربعات وحساسيات الشارع
هيام القصيفي (النهار)
بعد خمسة ايام على حوادث بيروت، وتوسعها الى الشمال والبقاع والجبل، دخل قائد الجيش العماد ميشال سليمان على خط الازمة الخطرة التي يعيشها لبنان، بعد وقت قصير من خطاب رئيس الحكومة فؤاد السنيورة.
لكن مبادرة سليمان لم تأت افرادية، بل جاءت نتيجة تضافر جملة جهود سياسية كبيرة خلال اجتماعات مكثفة، وضغوط مورست داخل المؤسسة العسكرية، حفاظا على تماسكها. فالجيش الذي يتمسك بموازين القوى الطائفية والمذهبية في صفوفه، يدرك حساسية ما جرى اخيرا في شوراع بيروت وانعكاسه على المؤسسة العسكرية ووحدتها، وخصوصا ان قيادات رفيعة في الاكثرية رفعت جملة مآخذ على ممارسات حصلت في الساعات الاخيرة، منها ما يتعلق بعدم حماية بعض قطع الجيش مؤسساتها الاعلامية، وبطء حركة قطع أخرى في بعض المناطق المعروفة بحساسيتها.
في المقابل أمّن الجيش في صورة حاسمة ومحكمة، الحماية الامنية المطلقة لثلاثة مربعات امنية، لم يسمح لاي طرف بالاقتراب منها، وهي السرايا الحكومية، ومقر النائب وليد جنبلاط، ومنطقة قريطم. وقد وسّع الجيش اجراءته الامنية حول هذه المقار، واحكم الطوق، على مسافة موسعة حولها، انفاذاً لقرار امني تبلغه المعنييون، يقضي بضرورة الامتناع عن الاقتراب من هذه المقار، وإن لمتر واحد. وهذا القرار جعل اصحاب القرار في المؤسسة العسكرية في مواجهة تامة مع اي من الذين يريدون الاقتراب من هذه المقار، ولو امتدت الازمة اشهرا.
وكانت الاجتماعات الاخيرة، كشفت بوضوح تمسك كل من "حزب الله" والحكومة بمواقفهما. فالحزب بلّغ خلال الاجتماعات التي بقيت متواصلة حتى ساعات قبل ظهر امس، ان لا تراجع مطلقا عن شرطيه المتعلقين بابقاء رئيس جهاز امن المطار العميد وفيق شقير في منصبه، والاهم والاساس، الابتعاد نهائياً عن شبكة المقاومة. وفي خلاصة الموقف الذي بلّغه الحزب، الى من ناقش مسؤوليه عن "تورطهم" في شوارع بيروت وتحول المقاومة ميليشيا ان " انكشاف المقاومة في بيروت هو افضل من القضاء عليها، عبر شبكة الاتصالات". لكن احدا من المشاركين في الاجتماعات لم يكن على ثقة ان الحزب يمكن ان ينكفىء من العاصمة اذا ما عولج هذان الشرطان، بل انه يمكنه ان يطرح شروطا جدية بعد تغير موازين القوى على الارض. وهو ما طرحه امس النائب علي حسن خليل باسم المعارضة حين اكد ضرورة سحب الحكومة قراريها، ثم الانتقال الى بندي الحكومة وقانون الانتخاب.
اما الحكومة فكانت واضحة تماما في موقفها، فلا استقالة ولا تراجع عن مقرراتها، مستندة الى دعم عربي ودولي، اعطاها سابقا شرعية بقائها، وقدم اليها بالامس كل دعم ممكن. وبدا واضحا ان الحكومة حظيت في الساعات الاخيرة بدعم كبير، زادها تمسكا بعدم تراجعها عن موقفها، مع ترك الباب مفتوحا امام حلول تعيد الحياة الآمنة الى شوارع العاصمة، واستخلاص عبر سياسية، تتعلق بدور رئيس مجلس النواب نبيه بري السياسي. وقد اخذت عليه الاكثرية وعلى مناصريه جملة حوادث شغب واحراق مكاتب وتعديات على املاك تابعة لمناصري الاكثرية. اما العبر العسكرية، فقد بلّغت بها القيادة العسكرية اكثر من مرة.
لكن ما حصل خلال الاجتماعات الامنية التي قادها اكثر من طرف امني وسياسي، وضع امام " حزب الله" ، تحديا كبيرا يتعلق بسؤال وحيد، طرح على مسؤولين فيه، ماذا بعد دخول بيروت والدخول اليها؟ وماذا بعد السيطرة عسكرياً على معظم شوارع العاصمة وتحويلها متاريس رملية، والى اين يتجه الحزب بعد ذلك؟.
والواقع ان اسئلة كثيرة طرحت على الحزب ومسؤوليه تتعلق بمرحلة ما بعد بيروت، ولا سيما ان الساعات الاولى التي اعقبت ما سماه الحزب انهيار مناصري الاكثرية في العاصمة، كشفت مخاوف اخرى لمسها الحزب والجيش ايضا، وكادت أن تمس موقع نتيجة الاشكالات المتعددة التي وقعت.
فالازمة التي استجدت ستفرض واقعا مغايراً، ولو حلت المشكلة الحالية المتعلقة بشبكة الاتصالات. فقد راهن الحزب بكل تاريخه السياسي والمقاوم من اجل الحفاظ على الوحدة الوطنية. والواقع الجديد يتعلق بالفرز المذهبي الذي عاشته بيروت في الايام الاخيرة، على ايقاع الرصاص والقذئف. والكلام الذي قيل على شاشات التلفزيون في الساعات الاخيرة، على لسان مناصري "المستقبل"، لن يطوى سريعا بمجرد قبول الحزب بمبادرة قيادة الجيش وفتح الطرق وسحب المسلحين، وخصوصا ان المعلومات الامنية التي تداولها المسؤولون في الاجتماعات، كشفت حوادث عدة، وتوقيفات خارج المنازل الحزبية سواء للحزب التقدمي الاشتراكي او لـ"تيار المستقبل". وقد تكثفت الاتصالات بالجيش من اجل تعجيل وتيرة تحركه، وخصوصا ان الاكثرية اخذت عليه عدم تحركه السريع لمنع احراق تلفزيون "المستقبل" في الروشة على سبيل المثال، اضافة الى سلسلة من الحوادث المتفرقة التي افيدت بها القيادة العسكرية. وقد جاء توقيف الجيش مطلق النار على الجنازة التي كانت تمر في الطريق الجديدة واسفرت عن سقوط عدد من القتلى، ليكون اول الغيث في خطة عملانية يفترض بالجيش القيام بها لتكون خطوة تحركه في بيروت شاملة وتتعدى تسيير الدوريات، بحسب المعلومات الامنية.
اضافة الى ذلك، ثمة مخاوف طرحت في الاجتماعات الامنية حول احتمال دخول أي طرف أصولي على خط الحوادث الراهنة من باب نصرة اهل السنة على "حزب الله"، وهو كلام جرى تداوله عبر مواقع الكترونية وحذّرت منه اجهزة امنية كانت ترصد الى وقت قصير تحرك هذه المجموعات من طرابلس الى بعض احياء بيروت وصولا الى البقاع ومخيم عين الحلوة.
وثمة خشية متزايدة من تحرك هذه المجموعات التي يمكن ان تستفيد من الوضع الامني المتفلت من عقاله، وخصوصا في ظل توزع الجيش عدة وعديداً في اكثر من منطقة، وهو ما يمكن ان يحد من قدرته على الامساك بزمام الامور، وخصوصاً ان توسع رقع الاشتباكات لتشمل البقاع والشمال والجبل، مع الحساسية التي تتميز بها كل من هذه البقع الامنية الثلاث، قد يشكل عبئا امنيا جديدا على الجيش، وعلى الوضع الامني برمته، فيزيد حدة التوترات ويضاعف صعوبة ضبط الشارع.
وتشير المعلومات الامنية الى ان دخول عدد من الاحزاب المعارضة على خط الاشتباكات وتحديداً في الجبل والشمال، زاد التحديات المفروضة على القوى الامنية لمعالجة الموقف، ولضبط التعديات وذيول الاشتباكات، حتى لو سلكت المبادرات طريقها الى الحل.
ووفق المعلومات الامنية، فان ما شهدته بيروت حتى الساعة لن يشبه في شيء ما يمكن ان يحصل في الجبل وفي الشمال، اذا ما اريد نقل الفتنة اليهما لأن ما حصل في حلبا قد يتمدد الى مناطق اخرى كثيرة. فالحساسيات في المنطقة وتداخل البلدات والاحزاب تجعل من الصعب على من يريد نقل المعركة الى تلك المنطقة، ان ينهي الوضع كما حصل في بيروت.
من هنا خطورة مرحلة ما بعد 8 ايار والتي تضاهي خطورة الحوادث في ذاتها. ولا سيما ان المنطقة مقبلة على تحرك دولي يتمثل بزيارة الرئيس الاميركي جورج بوش في 13 ايار الجاري، وهو موعد استحقاق جديد، يضاف الى سلسلة الاستحقاقات الدولية والاقليمة التي قد تفرض التسوية حرباً او سلماً. اما محليا، فلا شيء ينبىء بأن الحل الذي يمكن ان يسلك طريقه، سيكون بابا قريبا للفرج، ما دامت الشروط تتوالى لتعود وتصبح عبارة عن سلة متكاملة، فالنار التي كمنت في الطريق الجديدة، قد تبقى تحت الرماد طويلا.