… والتوقيع؟!
تواجه اللجنة العربية مهمة مستحيلة في لبنان، لان ما حصل في الايام القليلة الماضية يتجاوز عمليا الوصف الذي قدمه بيان وزراء الخارجية العرب للاجتياح الدموي السريع الذي تعرضت له بيروت، وما خلفه من تداعيات كارثية في بعض المناطق لم تنته بعد وليس من الواضح انها ستنتهي قريبا.
ليس مهما بالتأكيد ان يعلن وزراء الخارجية رفضهم "استخدام السلاح واللجوء الى العنف المسلح لتحقيق اهداف سياسية خارج اطار الشرعية الدستورية"، بل المهم عمليا الآن السؤال عن الوسائل او العناصر التي تملكها الجامعة العربية لمنع تحقيق الاهداف السياسية التي استعمل السلاح من اجلها والتي تصل بشكل واضح وصريح الى اعادة رسم الشرعية الدستورية او تحديد اداء هذه الشرعية وفق القواعد والمفاهيم التي يعلنها "حزب الله" منذ زمن بعيد وقبل استعمال سلاحه بهذه الطريقة والتي توضح صراحة ان القصة عنده باتت تتجاوز القرارات التي اتخذتها الحكومة الى طبيعة الحكومات التي يريدها في لبنان، والى طبيعة لبنان وهويته وثقافته واصطفافه في اطار الصراع الاستراتيجي على منطقة الشرق الاوسط.
❑❑❑
ربما يتعين على رئيس وزراء قطر والامين العام للجامعة العربية وبقية اعضاء الوفد الآتي الى بيروت ان يعيدوا قراءة خطاب السيد حسن نصرالله الذي القاه عشية انطلاق الاجتياح المسلح حيث قال يومها اننا نقف الآن في مرحلة حاسمة وفاصلة، اي مرحلة ما قبل السابع من ايار وما بعدها. يجب ان يقرأوا ربما لان اي سعي من اللجنة العربية للعودة الى ما كان عليه الوضع قد يواجه برفض حتمي من "حزب الله".
واذا كانت الاكثرية تقف الى جانب كلام الرئيس امين الجميل الذي وصف امس ما جرى بانه "انقلاب حقيقي على الدستور" مشترطا للعودة الى الحوار تعهدا علنيا من السيد حسن نصرالله بعدم استعمال السلاح في الصراع الداخلي والبحث في كل الامور بما فيها سلاح "حزب الله"، فان ذلك يقود بالمضمون السياسي الى ضرورة ان تتجاوز مهمات اللجنة العربية "تأكيد المبادرة العربية بكل عناصرها باعتبارها اساسا لاي حل"، للبحث في سلاح "حزب الله"، وهو امر مستحيل في ظل الوضع القائم محليا وعربيا ايضا كما في ظل موازين القوى التي اظهرتها الوقائع الميدانية المؤلمة والخطيرة جدا في الايام الماضية.
وفي قواعد المنطق السياسي، يفرض على اللجنة العربية ان تجيد القراءة في الاحداث الدموية التي حصلت، حيث يعرف "حزب الله" ضمنا على الاقل انه احرق ورقة جوهرية ومهمة هي الشعار الذي طالما ردده وهو انه لن يستعمل سلاحه في الداخل.
❑❑❑
ورغم القول ان استعمال السلاح هو للدفاع عن السلاح، فان هذا يعني ان السلاح قد استعمل، ولانه استعمل لن يكون في وسع الحزب ان يكتفي من هذا الاستعمال بعودة الحكومة عن قراريها، لانه سيريد لهذه العودة ان تشكل مدخلا الى مرحلة ما بعد استعمال السلاح، وهي المرحلة التي يفترض من وجهة نظره ان تستولد ليس حكومات مختلفة كما قلنا بل لبنان مختلفا عما قبل!
ولان الاكثرية تتمسك بان "الانقلاب الحقيقي على الدستور هو ضرب للمعادلة ومحاولة قلب النظام" كما قال الرئيس الجميل، وان الاجتياح العسكري لن يجد مكانا للترجمة السياسية، او انه "حوالة دموية غير قابلة للصرف سياسيا ودستوريا" فان اللجنة العربية ستواجه بالتأكيد مهمات مستحيلة جدا.
❑❑❑
لا لم تعد القصة قصة مبادرة عربية وقرارات حكومية قد تتراجع عنها السلطة التنفيذية الآن او غدا، بحيث تعود الامور الى مجاريها الطبيعية!
لقد استعمل سلاح المقاومة في الداخل و"حزب الله" قد يريد تغييرا جذريا في مفهوم الدولة وادائها في مقابل هذه الورقة الثمينة التي احرقها، والتغيير الذي تصفه الاكثرية بانه "انقلاب على الدستور"، لن يكون سهلا عندما يبدأ الحوار، هذا اذا وصلنا الى الحوار.
وثمة في الاكثرية من يقول ان في وسع "حزب الله"ان يحتل كل بيروت وربما ان يجتاح عسكريا كل لبنان، ولكنه لن يحصل اطلاقا على التوقيع اي توقيع الشرعية الدستورية القائمة. وهذا ربما يذكّر بما فعله الجنرال ميشال عون عندما فضل ان يحصل الاجتياح للقصر الجمهوري على ان يقبل بالتوقيع!
على هذا الاساس، ورغم الصعوبات الهائلة التي ستواجه اللجنة العربية، فان السؤال الذي سيبقى مطروحا هو:
اذا كان من المستحيل العودة الى ما قبل السابع من ايار، فماذا ستكون صورة لبنان في ما بعد هذا التاريخ؟ وهل يمكن ان يستقر لبنان ويبقى وسط هذا الطوفان من الجروح التي سيطول الزمن قبل ان تبرأ وقد لا تبرأ اطلاقا في ظل رياح الحروب والصراعات المذهبية الهادرة في المنطقة، وفي ظل طوفان الضغائن والاحقاد التي كانت ولا تزال ترتفع في ليالي بيروت وطرابلس والبقاع وامكنة كثيرة من هذا البلد الجريح الذي يقف عند حافة التلاشي؟