لن أغفر حتى تعتذروا إلى أمي
I
أحتاج الى وقت طويل حتى أنسى.
أحتاج الى وقت أطول حتى أغفر.
بيروت أمي، شهقتي، سمعي وبصري، عاشقة جمال عبد الناصر وأحمد بن بللا وجميلة بو حيرد، توأم القدس، حضن المقاومة الفلسطينية، أرض الاسراء والمعراج لكل رافض عربي…
… نزعوا خمارها عنوة وبصقوا على وجهها، اقتادوها الى غرف التعذيب وأطفأوا السجائر في ثديها الذي أرضعنا.
في الاجتياح الاسرائيلي، كانت أكداس النفايات تناطح الطوابق. رغم ذلك، لم تكن المدينة قذرة، ولا كريهة، ولا شممتُ عفونة في مسامها، ولا خرجتُ وعائلتي من مهجعها.
أمس، صار للنفايات نتانة، فتقيأت ولعنتُ.
سجّلوها عليّ: قسماً بأبي وأمي وأخي وبرفاقي وأحبابي الذين يغفون في ترابها:
لن أرمي عليكم السلام، لن أدعو لكم بالفلاح مع المؤذن فجرا، حتى تعتذروا الى أمي. حتى تقبّلوا يديها المرتجفتين. حتى تعيدوا كل حجر الى حيث كان، حتى تركعوا على اسمها ركعتين بعد كل وضوء.
… حتى تطيّبوا الجرح في حنجرة المطعونة في بهائها الوطني، سحر الخطيب، اختي في رضاعة الوطن.
حتى تعتذروا لي، انا المواطن المغفل الذي صدق الوعد ان السلاح لن يُغرز إلا في صدر اسرائيل، فغُرز في صدري.
II
الى الأحبة في مؤسسات "المستقبل".
انتزعوا منكم الأوراق والاقلام والطاولات والكاميرات. بقيت لكم حناجركم وأصابعكم، وهذه لا تنكسر، ولا تطفأ ولا تصدأ ولا ينقطع عنها البثّ.
وها قد عادت أصواتكم.
ليتذكروا ان احتباس الحرية في لبنان لا يدوم، وان القمع يرتد على أصحابه ساعة تدول الايام.
عندما أقفل "حزب الله" مؤسساتكم، فعل بنفسه ما لم تستطع ان تفعله اسرائيل فيه. تقدم الى العالم بصورة المسلح القبيح. صار سلطة البشاعة والرعب من الكلمة. أعلن انتماءه الى الجلاد، وهو ما زال ضحية العدو.
عندما أقفل مؤسساتكم، أقفل الهواء عن رئتيه هو.
وسيختنق داخل قفص أغلق أبوابه بيديه.
III
ما زلت مذهولا ولا أملك جوابا على أسئلة البداهة:
– لماذا رد "حزب الله" على قرارين حكوميين (خاطئين حتما ويتعين الغاؤهما أو تجميدهما) كان يمكنه تجاهلهما او تطويقهما سياسيا، أو الرد الموضعي عليهما، بالاندفاع نحو عملية عسكرية شاملة؟ هل هو رد ايراني مسبق على زيارة الرئيس الاميركي الى المنطقة؟ هل هو الظن ان القرارين سيطوقان الحزب، كجزء من الاستعداد الاسرائيلي لتوجيه ضربة عسكرية اليه؟ هل هو لقطع الطريق على المحكمة الدولية؟
– ألم يكن يعلم الحزب ان هذه الاستباحة لبيروت ستطلق ردا ثأريا سنيا يحرج حتى أصدقاءه السنّة؟ وما كانت استراتيجيته في الرد؟ هل كان سيحتل عكار او الضنية او طرابلس؟ أو يعتقل قادة "تيار المستقبل" وعلى رأسهم سعد الدين الحريري؟
– ألم يكن الحزب يعلم ان تنظيم "القاعدة" هو من سيرث "تيار المستقبل" فيما لو تداعى؟ هل يتحمل عراقا آخر؟ ألم يكن يعلم ان لا حسم عسكريا في لبنان، بل مذابح طائفية ثمنها انتهاؤه هو قبل سواه؟
– هل قدّر الكلفة الاجتماعية على اللبنانيين، وجمهوره الطائفي أولا؟ (توقف موارد المطار والمرفأ والصادرات والواردات في ظل اشتعال أسعار النفط، وتوقع ان يصل عجز مؤسسة الكهرباء الى ما يزيد على الملياري دولار سنويا).
– هل تحسّب الى أن الدولة ستعجز عن الوفاء بالتزاماتها في رفع الحد الادنى للأجر وسائر التقديمات الاجتماعية؟
– هل تحسّب الى حال العلاقات الشيعية – السنية مستقبلا في كل مؤسسة وشركة وحي وقطاع ومدرسة، في القطاعين الرسمي والخاص؟
استباحة بيروت لا يقدم عليها إلا من كان ضعيفا، ومذعورا، هذه ليست شيمة الاقوياء، الواثقين.
فهل أفاق "حزب الله" وعرف أنه دمّر نفسه قبل ان يدمّر مساكن ومباني؟