#adsense

الزعماء المسيحيون أمام اختبار حماية الوعود

حجم الخط

اهتمام ديبلوماسي ترجم بالحصول على تعهدات حيال المناطق الشرقية
الزعماء المسيحيون أمام اختبار حماية الوعود

بدأ نهار امس بمحاولة استطلاع ديبلوماسية دقيقة من رؤساء البعثات الديبلوماسية المعتمدة في لبنان لاحتمالات تمدد الاشتباكات الى المناطق المسيحية التي سارع زعماؤها، إن في الاكثرية او المعارضة، الى طمأنة المسيحيين الى ان لا انتقال لهذه الاشتباكات الى مناطقهم، وكذلك سائر اللبنانيين من الطوائف الاخرى الذين يجدون في الهدوء الذي يعم هذه المناطق متنفسا آمنا لهم في هذه المرحلة الخطرة. وقد اطمأن هؤلاء الديبلوماسيون الى ما اعلن من مواقف في هذا الاطار والذي جاء تلبية لاستيضاحات عبر اتصالات بعضها مباشر وبغضها غير مباشر. الا ان التنافس بين الزعماء على ان يعزو كل منهم الفضل الى جهوده في تحييد هذه المناطق لم يبد مطمئناً لسببين على الاقل: احدهما ان الزعماء الذين ينتمي كل منهم الى طرف في الاكثرية والمعارضة تحدثوا بالنيابة عن حلفائهم في بيروت والجبل من حيث التعبير بحرية اكثر من حلفائهم عن مواقف الطرفين، وتالياً ان التصعيد السياسي الكلامي يمكن ان يفتح بابا لدخول الصراع الى هذه المناطق، وان يكن الجميع يدركون ان أياً من الافرقاء لا يمكنه التخلي او الابتعاد عن حلفائه وان كلاً منهم معني بالربح والخسارة السياسية بصرف النظر عن الخسارة العامة لكل لبنان واللبنانيين. اذ ان قوى 14 اذار معنية بشدة بما يجري في بيروت والجبل ومناطق اخرى وكذلك الفريق الآخر. وثانيهما ان الوعود التي اطلقها الزعماء اللبنانيون المسيحيون والمسلمون على السواء لاشهر طويلة، ومنذ بدأت المعارضة اعتصامها في وسط بيروت بأن الحرب الاهلية هي من رابع المستحيلات، وان هؤلاء الزعماء يتمتعون بالوعي الكافي لردع الانزلاق الى متاهات نزاعات مسلحة داخلية، قد سقطت.

ولا تخفي الغالبية الديبلوماسية القلقة على الوضع في لبنان، لاعتبارات عدة خاصة واخرى تتعلق بمصير البلد ككل، انها وثقت الى حد بعيد ولسنوات بكلام الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله على استحالة توجيه سلاحه الى الداخل، وفوجئت بما حدث نتيجة عدم اعتقادها ان الحزب يمكن ان يضرب كل ما حققه عبر توجيه سلاحه نحو الداخل، أياً يكن الشعار الذي رفعه من اجل ذلك. تساور كثر شكوك في الاسباب الحقيقية لهذا التحول في موقف "حزب الله"، وصلة هذا التحول بالملفات الاقليمية المتعلقة بسوريا او ايران او الاثنين معاً، ان في موضوع المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري كما يعتقد بعضهم، او في ملف السلام بين سوريا واسرائيل، او الملف النووي الايراني.

وتلقى هؤلاء في الاتصالات التي اجروها مع المعنيين واركان في المعارضة جملة تطمينات حاولت التقليل الى حد بعيد من مفاعيل ما جرى ميدانيا في بيروت او في الجبل، نافية وجود قرار بجر البلاد الى حرب اهلية او فتنة مذهبية في الدرجة الاولى، ومشيرة الى ان النموذج هو ما حصل من وضع فوري وسريع لليد على بيروت، والاهم ان لا بعد اقليميا لما قام به الحزب في بيروت وبعض الجبل بفرض سيطرته العسكرية، بل هو مجرد رد فعل على قراري الحكومة اللذين استهدفاه، على ما قال الامين العام للحزب في مؤتمره الصحافي، وذلك في محاولة لتخفيف المخاوف من انقلاب على النظام في لبنان وصيغته الطوائفية، وان الامر لا يعدو كونه نزاعا بين الاكثرية والمعارضة بات ملحا كسر حال المراوحة فيه بعدما وصل الى ما وصل اليه وما اعتبروه اعتداء على سلاح المقاومة. ثم ان الانصراف الى طاولة حوار للحديث مجددا في موضوع الحكومة وموضوع قانون الانتخاب سيضع حدا لهذه الحال من "العصيان" ويفتح الطرق والمطار بعد تراجع الحكومة على النحو القانوني عن القرارين اللذين اتخذتهما في شأن موضوع العميد وفيق شقير وشبكة الاتصالات التابعة لـ"حزب الله"، وان الاكثرية لن تتجاوب مع هذه الشروط الا اذا استمر الضغط عليها، لذلك لا تخفيف لهذا الضغط بل ان الاتجاه هو الى التشدد فيه.

ويحاول هؤلاء الديبلوماسيون عدم تجاهل احتمالات من هذا النوع مجددا، وهم لا يثقون كليا بالوعود في ما يتعلق بالمناطق المسيحية، وإن اخذت هذه الوعود والتعهدات في الاعتبار، وخصوصا ان ما يدعم خشية بعضهم وشكوكه هو ما اطلقه كل من العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع من الاول بعد عودته من منفاه الباريسي والآخر بعد خروجه من السجن من مواقف بعدم العودة الى الخلافات المسيحية – المسيحية السابقة التي انفجرت عام 1989، لكنهما سرعان ما استكملا الخلاف من حيث كان توقف بينهما ولكن من دون استخدام السلاح. ولا يزال هذا الخلاف بالحدة نفسها حتى الآن. ثم ان هناك مخاوف من ان يسعى بعضهم الى اهداف او روزنامة تختلف عن روزنامة الافرقاء الداخليين، على افتعال احداث تستدرج المناطق المسيحية، وخصوصا اذا استمرت النزاعات في المناطق الاخرى طويلا وبدت متنقلة بين بيروت والجبل والشمال.

ورغم الاهمية التي اكتسبها التقاء الزعماء المسيحيين على موقف موحّد في شأن عدم نقل الصدامات الى المناطق المسيحية، ثمة من يعتقد ان الحرص على الهدوء ينبغي ان يستمر كل لحظة ودقيقة لان الأخطار في هذه المرحلة، وفي ظل الازمة تبدو اكبر بكثير من لبنان وافرقائه، وان يكون اللبنانيون ومعهم لبنان وقوداً لها لان الصراع المسيحي – المسيحي في هذه المرحلة او الصراع المسيحي مع الآخرين لا يكتسب هذه المرة طابعا مصيريا فحسب، بل يكتسب ايضا طابعا تاريخيا. فبعد ما حدث في العراق من فتنة سنية – شيعية ذهب المسيحيون العراقيون ضحيتها بالهجرة، يستمر الوجود المسيحي في لبنان وحده باباً للمحافظة على هذا الوجود. وقد حصلت استهانة به من خلال الفراغ في موقع الرئاسة الاولى ولكن لا يجوز الذهاب ابعد من ذلك وفق ما يعتقد كثيرون، وخصوصا ان الجميع يخشون تكرار تجربة عام 1989 والاخطار التي تنوي عليها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل