شاشة بيروت المسلّحة .. الجهاد في سبيل «حزب الله»!
زياد بن عبدالله الدريس
بقي لبنان طوال عقود طويلة ماضية حالة إعلامية استثنائية في النسيج العربي. يمكنك أن تتخيل أي بلد عربي من دون إعلام، لكن لبنان فقط لن تتخيله من دون إعلام… بل قد تتخيل إعلامه في الهواء الطلق… بلا وطن! لذا، فعندما تقتحم فصائل حزبية مسلحة في لبنان دار اذاعة أو تلفزيون أو صحافة، يصبح من المباح لك أن تقول بخط عريض: لبنان تحت الاحتلال.
أتحدث هنا عن حرية التنوع والتعدد… لا عن حرية القيم. كنا نذهب الى بيروت في صيف الستينات الميلادية، نسكن في عاليه ولا نعلم أنها بلدة درزية، ونقرأ صحيفة «النهار» ولا نعلم أن أصحابها مسيحيون ونتجول في شارع الحمراء ولا نعلم إذا كان مالكو الدكاكين مسيحيين أم مسلمين. في أذيال الحرب الأهلية الأولى، نشبت المعارك بين المسيحيين، وكان المسلمون شهوداً فيها. الآن نذكر الحرب الأهلية الثانية تطوف في سماء بيروت، ولكن هذه المرة بين المسلمين، والمسيحيون شهود فيها!
أديان لبنان المتعددة استطاعت أن تتعايش في ما بينها، لكن طوائف أديان لبنان لم تستطع… مفارقة عجيبة! لكن في لبنان يمكن أن يحدث كل شيء عجيب ومثير ومذهل وجذاب، هكذا أراد لبنان أن يكون بلد العجائب… حُسناً وقبحاً!
في الحرب الأهلية الأولى لم يكن المسلمون في حاجة الى الصراع، لأن الأطياف الاسلامية لم تكن آنذاك متكافئة بدرجة تدعو الى التناحر.
في نهاية السبعينات صاح المنادي: (الخميني وصل)، فنبت ريش الشيعة، وأصبحوا رقماً صحيحاً بعد أن كانوا كسوراً في المعادلة الوطنية.
الريش ازداد طولاً وانثيالاً على جناحي الطائر الشيعي في لبنان، لم يعد طائر الفينيق هو الذي يغني، كالمعهود، بصوت لبنان!
الأجنحة المكتنزة بالريش حلّقت خارج الحدود وعادت من سبأ بنبأ يقين… نبأ المقاومة التي ستصبح سيفاً عربياً لدحر اسرائيل، وملاذاً عربياً للاغتسال من أدران الهزائم المتوالية.
تشيّع البعض… وتحزّب آخرون، ولم يعد مدهشاً لو رأيت لبنانياً من الموارنة يلطم في يوم الحسين… انه العطش الى الجد أياً كان نبعه!
كانت بطولات المقاومة في صيف 2006 مبعث فخر واعتزاز لكل من شغف بالكرامة.
لم يدرك البعض أن المزيد من استنبات الريش على الأجنحة قد لا يعني المزيد من الارتفاع أثناء الطيران، بل ربما التثاقل عن المزيد من الارتفاع أو حتى التحليق.
في فترة من التريّش، تحولت «المقاومة» الى «المقاولة»، حيث القيام بمهمات بطولية نيابة عن آخرين. تحوّلت المقاومة الشعبية من اسرائيل الى «مقاولة» تبعية ضد الأهل في الداخل اللبناني، لأن غرور الانتصار يعمي الأبصار.
توشك أعداد الذين قتلوا من «العدو الأهلي» أن تزيد على الذين قتلتهم المقاومة من العدو الاسرائيلي.
المقاومة قلبت خطابها الجهادي من استهداف اسرائيل الى استهداف الأهل، ومن تحرير فلسطين الى تحرير لبنان.
تحول عناصر «حزب الله» من مجاهدين الى انقلابيين، ومن الموت في سبيل الله الى الموت في سبيل «حزب الله»!
ماذا بقي من رونق «المقاومة» التي أنعشتنا حتى أنعستنا؟! ماذا بقي من وهج انتصار 2006؟!
تطالع نشرات الأخبار الآن فترى كيف أن المقاومة التي دحرت اسرائيل قبل عامين، تدحر وطنها الآن.
سجنوا طائر الفينيق، وأطلقوا نسورهم المثقلة بالريش تجوب شوارع بيروت، وهي تخبط عشواءً هنا وهناك، بقصد وبغير قصد… لأنها مثقلة بالريش!
وبدلاً من أن تسخّر ريشها الفائض محابر للكتابة، انتهكت طيورها المثقلة منابر الإعلام لتتخذها أعشاشاً لها تفرّخ فيها مزيداً من الخطب والوعود الوردية الذابلة.
هكذا تحولت طيور المقاومة، عندما تريّشت، من صقور الى نسور! تراجع الذين تشيّعوا، وانتكس الذين تحزّبوا، ولن يلطم الماروني الطيب في يوم الحسين القادم، لأن حسينياً قتله بالأمس في دكانه الصغير في بيروت!
وسيضيع لبنان بين شعاري: خيانة المقاومة… ومقاومة الخيانة!!