مخـرز وثـلاث عيـون
سأحاول الإبتعاد في هذه الكلمة عن السياسة، لأنني لا أجد التعابـير التي تستطيع تفسير ما جرى بصورة هادئة، فيما النفوس تنـزف كرامة، والرجاحة تنسرب من العقول، والقلوب منقسمة بين كثرة منفطرة، وقلة بلا شفقة· سأحاول أن أحصر هذه السطور القليلة بالحالة الإنسانية التي يعيشها ذلك الثالوث المحاصر في محالّ إقاماته، كأنهم العيون التي تقاوم المخرز بشجاعة تعتمد على ثبات البصر والجنان معاً·
وانني لأعترف لـفؤاد السنيورة أن أكثر ما يحيرني فيه، عينه التي لا ترف وهو الأعزل التاريخي الذي لم يتسلح إلا بمعادلات العقل والأرقام والإنتماء إلى صحة الموقف وصلابته، فهذا الذي لم يكن يلين أمام التهديدات والحصارات ولم يكن طيـعاً لرفيق عمره الشهيد رفيق الحريري إذا ما اختلفت وجهتا النظر، يثبت اليوم أنه من باب أولى لن يكون طيـعاً حيال العمل الجائر· أما العين الثانية التي أبت التحصن في المختارة فاختارت كليمنصو، وسط المسلحين العشوائيين واطلاق الوعيد والترهيب من فوهات البنادق، هي عين وليد جنبلاط الذي يهز رجليه ولا تهتز منه مقدرته على امساك زمام عشيرته ومنعها من الإنجرار إلى فتنة شيعية درزية لم يعرفها التاريخ قبلاً، ولم تهتز ارادته بالتمسك بوجوده وسط الخطر معلناً أنه مستعد أن يقدم حياته بدلاً من ازهاق حيوات أخرى·
وعيني الثالثة، هي عين سـعد العميقة الغور، التي راحت تستمد الحزن من نبع الحنان المستمر في التدفق من عينيّ رفيق الحريري ومن ابتسامته التي أحرقها الأشاوس، فبقيت بشاشتها منبثة من خلل ألسنة اللهب·
جلس سعد في قريطم، مقرّ أبيه ولسان حاله أنا لست أفضل منه، بل أنا على طريقه مهما طال المسير·
عيون ثلاثة، ومخرز واحد، يتلبس أشكالاً متعددة، فمرة هو الأصبع المشهر، ومرة هو الكلام الجارح والتهم الظالمة، وحيناً الإستعلاء والغطرسة والتعجرف، وها هو أخيراً مخرز مزود بالار·ب·ج وهي الأحرف الأولى لكلمات الرهبة، والبغض، والجلافة·
كدت أنزلق إلى السياسة، وأنا لا أريد ذلك، حسبي في هذه الكلمات أن العيون الثلاث التي تصمد بوجه المخرز تستحق منا التحية والمحبة، لأنها عيون بيروت المظلومة، وعيون الجبل التي لم تصدق ما رأت·· بل هي عيون لبنان الصامد·
نقيب محامي طرابلس السابق·