#adsense

قصة قديس: القديس شربل (الجزء الثالث)

حجم الخط

قصة قديس: القديس شربل
إقتباس ربيع يعقوب (الجزء الثالث)

في كفيفان راح الأخ شربل ينكب على دراسة اللاهوت النظري والأدبي ويطّلع على كنوز آباءالكنيسة وعلى سير الرهبان القدامى. وكان على رأس مدرسة كفيفان الأب نعمة الله القدوم الكفري العالم باللغة الآرامية الذي أخذ يخرج الكنوز المكنونة في أسفار آباء الكنيسة لتلامذته فجنى منها الأخ شربل خلال سني دراسته الست معرفة ومحبة عميقة للأسفار الإلهية التي أضحت منارة لحياته الروحية. كان الأخ شربل مولعاً بقراءة كتاب "الإقتداء بالمسيح" وكتاب "أباطيل العالم" وكتاب "بستان الرهبان" وكتاب "أمجاد مريم" التي ذاق منها لذة لم يجدها في شيء من مباهج الأرض فتوطّد في قلبه الرجاء وتأصلت في كيانه المحبة فكبرعقله واتّسع عنده نطاق المعارف حتى صرّح يوماً أستاذه الأب نعمة الله الكفري: "إن أمهر تلامذتي في معرفة اللاهوت هو الأخ شربل".

مع الحرديني

سنوات ستّ في كفيفان تلقن فيها الأخ شربل كيف يكتسب الفضائل وكيف يحاك على نولها عمر القديسين خصوصاً أنه عاش بقرب الأب نعمة الله الحرديني الذي أطلق عليه معاصروه سلفاً لقب "قديس كفيفان". الأب الحرديني كان أحد أولئك الرهبان المولعين بأشياء السماء حتى الهيام. كان المطلوب واحد في نظره: حفظ القانون الرهباني. فراح يتفانى في الحفاظ على هذا القانون حفاظاً جعل الخاصة والعامة يرون فيه الراهب القانوني بل القانون الحي. كانت عقيدة الحبل بلا دنس التي لم تكن حددتها الكنيسة بعد, نقطة دائرة عبادته المريمية. وقد كافأته العذراء مريم بدعوته الى السماء في الأسبوع المكرس للحبل بلا دنس (14 كانون الأول 1858). ذات يوم باح شربل لمعلمه: "قديش حظي كبير أنا الفلاح البسيط صير كاهن". فأجابه معلمه الجليل:" هلّي بدو يصير كاهن يا بني بدو يصير مسيح تاني. ما فيش درب بتوصّل إلا درب الجلجلي. طلاع عهالجبل يا بني ولا تخاف، المسيح بيعينك". هذه الوصية لم ينسها طالب القداسة فسار في طريق الجلجلة الى أن صار قديساً.

القرية تنادي الكاهن

بعد وفاة الأب الحرديني بسنة تقريباً مُنح الأخ شربل سر الكهنوت في بكركي بناء على أمر من البطريرك بولس مسعد في 23 تموز 1859، وكان شربل آنذاك في الحادية والثلاثين. ليس معروفاً أين احتفل الكاهن الجديد بقداسه الأول، إنما جرت العادة أن يحتفل به أولاً في ديره الخاص أو بناء على إذن صريح في القرية التي وُلد فيها. فهل ترى عاد شربل الى قريته؟

بعد أن رُسم كاهناً تلقى الأب شربل أمراً بالعودة الى دير عنايا حيث سيعيش فيه ستّ عشرة سنة بين إخوته الرهبان قبل أن يعتزل نهائياً في المحبسة على قمة جبل التجلي.

في عنايا انتظرته مفاجأة. فأهل قريته أتوا الدير لتهنئة الكاهن الجديد برفقة والدته المسنّة التي لم تتمكن من الذهاب الى بكركي لحضور الرسامة. فعزّ عليها أن تحرم من ضمة إبنها الكاهن الى صدرها ونيل البركة. وكان من ضمن الوفد أخوا الأب شربل وعمه طانيوس ونسيبته مريم التي كانت قد تزوجت. باحترام لثم الجميع يد الكاهن الجديد ثم بادره أحد رفاق الصبا بإسم الجميع بطلب عزيز: "جايين باسم الضيعة, بإسم الصداقة والمحبة نعزمك عقداس برعية أهلك. قديش فرح إمك وأخوتك والضيعة بيكون كبير إذا قبلت العزيمة". وحبس هؤلاء أنفاسهم بانتظار الجواب. ما تراه يكون جوابه ذلك الذي قطع عهد على نفسه ومع الله بالزهد في الدنيا واعتزال الأهل والأقارب والأصدقاء واتخاذ الله نصيباً مؤبداً دون الكون جميعاً. فهل يصمّ أذنيه عن سماع كلام المسيح؟: "من أحبّ أباً وأخاً أو أختاً أكثر مني فما يستحقني". لا لن يتزحزح عزمه ولن يعود لدنيا هجرها مقتنعاً بأن أمجادها أوهن من خيوط العنكبوت. فما كان من بطل التقشف والكفر بالنفس إلا أن هزّ رأسه رافضاً: "الراهب اللي بيترك ديرو وبيروح لعند أهلو، ما لزوم يرجع يترهب من جديد". قاسٍ مرة أخرى ولاسيما أن تقاليد الرهبانية تسمح للراهب بزيارة أهله في مثل هذه الظروف. لكن شربل لا يرغب أن يكون راهباً عادياً. هو يريد أن يكون مسيحاً ثانياً كما قال له الأب الحرديني. فالراهب الذي يخرج من الدير يشبه السمكة التي تخرج من الماء بحسب كتاب "الإقتداء بالمسيح". القديس يعيش في دنيا وراء دنيانا ويرى خلاف ما نرى. لأفعاله دوافع غير الدوافع التي تقرر أفعالنا. ترى ألا يستهويه احتفال بقداس في الكنيسة الصغيرة حيث قضى 23 عاماً من عمره؟ أجل ولكنه ضحّى بالعودة الى مراتع شبابه لان الطيور لم تهجر أعشاشها إلا رغبة في الطواف في دنيوات جديدة يجهلها أولئك اللذين لم يبارحوا المكان.

شربل المطيع

يكاد معاصرو الأب شربل لا يعرفونه إلا بالراهب المطيع. ويروي لنا رئيسه الأب نعمة الله نعمة الخبر التالي: "كان الأب شربل يشتغل والرهبان في الكرم. عند الأصيل ذهبت أزورهم، فوجدت الأب شربل ينكش في إحدى الزوايا حيث لا يستطيع رفقاؤه أن يروه. فسألته: تغديت يا بونا شربل يَوْ بعد؟. فأجابني:" لا يا بونا الريّس، بعد ما ندهونيش". كان صائماً منذ ثلاثين ساعة لأنه لم يكن يتناول سوى وجبة واحدة في النهار. وأيضاَ روى لنا الأباتي اغناطيوس التنوري ما يلي: "كنت اعمل رياضتي الكهنوتية في محبسة عنايا على زمان الأب شربل، وكنت من المعجبين بفضائل هذا الحبيس ولاسيما الطاعة. إني لأذكر جيداً أن رفيقه الأب مكاريوس ناداه ذات يوم وكان الأب شربل ينقب في الكرم. فحينما سمع رفيقه يناديه، كان رافعاً معوله ليضرب به الأرض، لكنه من غير أن يدعه يهوي لبّى النداء ومشى حاملاً المعول في الهواء"!!.

طاعة شربل أصبحت كطاعة طفل لوالديه مع فارق أن الطفل يبكي عندما يجوع اما شربل فصامت. لم يكن يكتفِ بإطاعة رئيسه بل شملت طاعته كل مبتدىء وأخ وخادم في الدير. كان يطيب له أن يقوم بأشغال الدير الوضيعة. لم يكن أحد يسمعه يتذمر من رئيس أو مرؤوس. فراح يفني نفسه في الطاعة حتى قال رئيسه عند تسجيل وفاته ان طاعته ملائكية لا بشرية.

شربل العفيف

لجأ الأب شربل في جهد مستمر لتجنب الأسباب التي قد تشدّ نفسه الى الميول الإنسانية. وكان سلاحه إنضباطًا عنيداً متنوع الألوان:صلاة مستمرة ورقابة شديدة على حواسه وفقاً لفريضة القانون :"يجب على الراهب قمع الحواس يشكل مطلق."كل من عرفه شهد بأنه في حياته الرهبانية كلها لم يتفرس في وجه إنسان.رأسه وجبينه مستوران أبداً بإسكيمه المنسدل على عينيه حتى يكاد لا يبصر طريقه.حين يتلقى الأمر بزيارة مريض كانت النساء يتوارين من أمامه أو ينحرفن عن طريقه علماً منهن بصرامة القوانين:"يجب على الراهب أن يعتزل النساء حتى الأهلين."

ومع ذلك فإن الشيطان الذي تجرأ على تجربة المسيح بالذات حاول تجربته. ويخبرنا الأب سمعان الأهمجي عن ذلك فيقول:"ذات يوم بينما كان الأخ بولس المشمشاني يحرث الحقل,سمع الأب شربل الذي كان يشتغل على مسافة منه يستغيث,يصرخ. ترك الأخ محراثه وهرع نحو الصوت. رأى الأب شربل هادئاً ساكتا. سأله"بك شي يا بونا شربل؟"أجابه:"ما شي ما شي."عاد الأخ الى عمله وبعد هنيهة سمعه يصرخ ثانية,فأسرع إليه من جديد يسأله:"ليش هالصراخ,شو صايرلك,بقدر بساعدك بشي؟ قللي شو بك؟ تمتم الأب بصوت خافت وبهدوء:"عذرني,جتني تجربي وضايقتني ,صلي منشاني." لم نعرف ما هي التجربة لكنها من دون أدنى شك كانت عاصفة عنيفة لم تلبث أن سكنت وساد مكانها سلام المسيح.

شربل الفقير

لقد عاش شربل كأفقر الفقراء سواء في لباسه أو في طعامه أو في مسكنه.عاش العمر مولعاً بالفقر حتى الهيام . كان كلما استطاع الخيار ينتقي الثوب الرث الخشن .وفي غمرة البرد والثلج على علو 1300 متر ما كان ليرتدي إلا ثوب الصيف.كان يتناول طعاماً قد يرفضه الفقراء المعدمون فلا يخص نفسه إلا بفتات الخبز المحروق واليايس والثمار الرديئة.أما اللحم فلم يذقه الأب شربل طوال حياته الرهبانية.لم يتقاض في حياته قرشاً من أحد ولا هبة ولا لقمة عيش ولا ثوباً ولا عصا.وبهذا الصدد يقول الأب يوسف إبراهيم :"كلفني أحد المؤمنين بتسليم حسنة قداس الى الأب شربل,وحينما قدمت له النقود رفض أن يأخذها. لكنني أوضحت له ملحاً أن نية المعطي هي أن أسلمه إياها يداً بيد. حينئذ مد يده بطولها, فوضعت عليها الدراهم ,فسار ويده ممدودة الى رفيقه وقال, دون أن ينظر كم هو المبلغ:"تفضل خود هادا."

كان تجاه خيرات الدنيا ,مترفعاً كالنسر لا يهوي إلا لإلتقاط معاشه حتى إذا ما نال قوتاً إرتفع في الجو تاركا خيرات الأرض جميعاً لأهل الأرضً.شربل وجد الدرة الثمينة التي يذكرها الإنجيل ,والتي باع ما دون الله واشتراها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل