هل تنتهي الأزمة الحالية كما انتهت أحداث 1958
انتخاب سليمان رئيساً وتنظيم العلاقة بين الدولة والمقاومة
يرى النائب سمير فرنجيه ان الاحداث التي شهدها لبنان في اكثر من منطقة من مناطقه شبيهة تقريباً بأسبابها ودوافعها المحلية والاقليمية والدولية بحوادث 1958.
وبالعودة الى تلك الحوادث يتبين لمن عاشوها ان المعارضة التي اشعلتها يومئذ كانت ممولة ومسلحة من سوريا عبد الحميد السراج وجمهورية مصر العربية برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر، وكانت تواجهها موالاة تؤيد الرئيس كميل شمعون ورئيس الحكومة سامي الصلح. وقد تذرعت المعارضة للقيام باعمال عنف، باتهام الرئيس شمعون بالعمل لتجديد ولايته واشترطت لوقف هذه الاعمال ان يعلن ببيان رسمي انه لا يريد التجديد لكنه رفض ذلك بحجة انه لم يعلن انه ينوي التجديد كي يصدر مثل هذا البيان، عندها ارتأى الرئيس سامي الصلح ان يعلن بنفسه ببيان يذيعه من الاذاعة اللبنانية ووسائل الاعلام كافة ان الرئيس شمعون لا ينوي التجديد وانه شخصيا سيرفض ذلك في حال حصوله، لكن المعارضة التي كانت لها اهداف اخرى وهي اطاحة عهد الرئيس شمعون وارغامه على الاستقالة قبل انتهاء ولايته بذريعة انه ينوي التجديد، بررت استمرار الحوادث بين انصار الموالاة وانصار المعارضة ردا على هذا الموقف فيما الجيش بقيادة اللواء فؤاد شهاب لزم الحياد مع وضع خطوط حمراء لا يسمح بتجاوزها وهي المؤسسات الرسمية ولا سيما المطار، وعندما حاول مسلحون تابعون للمعارضة احتلال المطار تصدى لهم الجيش واستخدم طائرة حربية لهذه الغاية، فردهم على اعقابهم، وهو ما فعلته المعارضة اليوم باصرارها على تراجع الحكومة عن القرارين والا استمرت الحوادث وبات المطلب هو استقالتها… وقد رفضت اقتراح التسوية الذي طرحه النائب سعد الحريري رئيس كتلة المستقبل واصرت على تراجع الحكومة عن هذين القرارين لا لشيء سوى كسر كلمتها وهيبتها.
ولم تكن الموالاة يومئذ مرتاحة الى موقف الجيش وادائه لا سيما انصار الرئيس شمعون لانه رسم خطوطا لتحركه لا تؤدي الى قمع المسلحين توصلا الى وقف اعمال العنف وانهاء الحوادث، الامر الذي جعل الرئيس شمعون يستعين بقوى الدرك التي كانت بقيادة الجنرال سيمون زوين لحراسة القصر الجمهوري في القنطاري والدفاع عنه، وعدم الاستعانة بقوى الجيش.
وعندما اشتد ضغط مسلحي المعارضة يدعمه ضغط سياسي مصري وسوري بقيادة "التيار الناصري" في لبنان، طلب الرئيس شمعون وحكومته بموجب مبدأ ايزنهاور مساعدة عسكرية اميركية، لكن الادارة الاميركية لم تستجب هذا الطلب الا بعدما سقط حلف بغداد عقب انقلاب عسكري في العراق اطاح النظام الملكي فيه واقام حكما عسكريا بقيادة عبد الكريم قاسم، وسقط حكم الرئيس التركي عدنان مندريس، فخشيت الادارة الاميركية ان يسد الاتحاد السوفياتي الفراغ الذي احدثه سقوط حلف بغداد، فكان الانزال الاميركي على شواطئ لبنان صيف 1958، وانتشار قوات المارينز في عدد من المواقع داخل العاصمة بيروت وفي المطار، وجاء هذا الانزال في اوج ازمة المواجهة بين انصار الرئيس شمعون وانصار المعارضة ولا سيما قادة التيار الناصري الذي كان قد بلغ اوجه في المنطقة. وحين اعلنت الحكومة العراقية الجديدة تحالفها مع مصر وسوريا خشيت الادارة الاميركية على الاستقرار في المنطقة وعلى امتداد خطر التطورات الى لبنان والى دول الخليج فيتهدد عندئذ النفوذ الغربي، فارسلت موفدا ديبلوماسيا هو السفير روبرت مورفي للعمل على ايجاد حل للازمة اللبنانية، فتم التوصل الى اتفاق بين الولايات المتحدة الاميركية ومصر عبد الناصر على انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية، واضطر الرئيس شمعون بعد قراءته تطور الاحداث واطلاعه على المعطيات الاقليمية والدولية المستجدة الى ان يطلب من نواب كتلته انتخاب اللواء شهاب رئيسا للجمهورية فلم يستجب بعضهم هذا الطلب فغاب عن جلسة الانتخاب وانتخب بعض من حضرها العميد ريمون كمرشح منافس فحالوا بذلك دون فوز اللواء شهاب في دورة الاقتراع الاولى.
وإذا كانت احداث اليوم هي اخطر من حوادث 1958 لان الجيش، خلافا للماضي يواجه قوة مسلحة يملكها "حزب الله" تحد من قدرة قوات السلطة على التدخل للسيطرة على الوضع الامني الا باعتماد سياسة الامن بالتراضي والتوافق، لان الحسم بالمواجهة قد يعرض هذه القوات للانقسام أو يعرض البلاد لحرب اهلية.
والسؤال المطروح هو: اذا كانت حوادث 1958 انتهت بالاتفاق على انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية، بعد توافق على ذلك بين الولايات المتحدة ومصر عبد الناصر ثم تشكلت حكومة رباعية برئاسة رشيد كرامي تحت شعار "لا غالب ولا مغلوب"، وقد منحها مجلس النواب سلطات استثنائية، فكيف ستنتهي أحداث اليوم الدامية، بعد تراجع الحكومة عن القرارين الشهيرين. هل تنتهي بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية ما دامت الموالاة والمعارضة متفقتين على انتخابه وان بعد تسوية الخلاف على الاولويات خلال الحوار؟ اذ ان الموالاة هي مع انتخاب العماد ميشال سليمان بدون شروط مسبقة، فيما المعارضة مع انتخابه ولكن بشروط تقضي بالاتفاق على الخطوط العريضة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وباعتماد القضاء دائرة انتخابية، فاذا كان التوافق حاصلا بين القوى الاقليمية والدولية المعنية على ان يبدأ الحل بانتخاب العماد سليمان والاكتفاء باعلان نيات في ما يتعلق بالحكومة وبقانون الانتخاب، فان الحل يبدأ عندئذ باجراء هذا الانتخاب في وقت قريب.
وفي المعلومات ان الوفد العربي توصل خلال لقاءاته القيادات السياسية في الموالاة والمعارضة الى تفاهم على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، وعلى تشكيل حكومة وحدة وطنية لا يكون للاكثرية فيها القدرة على التقرير ولا للاقلية المعارضة القدرة على التعطيل، وان يعتمد القضاء دائرة انتخابية ومباشرة البحث في العلاقة بين الدولة والمقاومة على ان يستكمل بعد انتخاب الرئيس وفي مجلس الوزراء للحكومة الجديدة توصلا الى اتفاق ينظم هذه العلاقة ويجعل الدولة هي المرجعية في كل قرار.