مفاوضات سورية – اسرائيلية غير مباشرة
بعد تراجع الاتراك وغيرهم عن العمل للتحضير لحوار سوري – اسرائيلي بسبب الضغط الاميركي او الرفض الاميركي، قال الاميركيون انفسهم الذين كانوا مواكبين عن قرب فريقي المفاوضات غير المباشرة: "بعد ذلك دخل السويسريون على الخط فاتصلوا بالدكتور سليمان وابدوا استعدادهم لاستضافة حوار غير رسمي بين سوريا واسرائيل على اراضيهم والمساعدة فيه وطلبوا منه العمل للاعداد له والبدء فيه. قَبلَ الدكتور سليمان وتوجه الى دمشق حيث قابل ثلاث شخصيات مهمة وبحث معها في الاقتراح السويسري. في نهاية البحث اتفق على مباشرة المهمة. وكان شرط سليمان السرية المطلقة. ولذلك كان شرطا سوريا. واظهرت سويسرا احترامها التام للسرية ونجحت في المحافظة عليها. استمر العمل التفاوضي غير الرسمي وغير المباشر قرابة سنتين، وتم التوصل الى حلول او تسويات للمشكلات الاساسية الثلاث التي كانت لا تزال موضع خلاف باعتبار ان 85 في المئة من المشكلات بين سوريا واسرائيل قد تمت مقاربتها والاتفاق على تسويات ممكنة لها في المفاوضات الرسمية التي اجريت بينهما منذ انطلاق عملية السلام في مدريد عام 1991، وهي: السيادة على الجولان حتى الحدود، والمياه، والامن".
كيف عمل المفاوضون غير المباشرين من الجانبين؟
اجاب الاميركيون المواكبون انفسهم: "انطلقوا من ان الذي اتفق عليه السوريون والاسرائيليون في مفاوضاتهم الرسمية امر مفروغ منه، اي مقبول، وبدأوا البحث في كل القضايا حتى المتفق عليها. وتوصلوا، في رأيهم طبعاً، الى نتائج مهمة جدا كان ابرزها فكرة المنطقة السياحية، اي "البارك" على قسم من الجولان يحاذي الحدود مع اسرائيل. وان الحدود التي على الاسرائيليين ان يتراجعوا اليها بعد انسحابهم من الجولان هي حدود 4 حزيران 1967. الا ان هذه الحدود التي كانت قبل الاحتلال على المياه، اي على شواطىء بحيرة طبريا، صارت على الرمل او على اليابسة لان مياه البحيرة تراجعت امتاراً عدة لاسباب عدة طبيعية وغير طبيعية. وما وافق عليه الجانب الاسرائيلي في المفاوضات غير المباشرة كان ان الحدود مع سوريا في تلك المنطقة تبقى المياه رغم التراجع المذكور. وما اتفق عليه الفريقان كان اقامة "البارك" السياحي بدءاً من المياه، اي من الشاطىء على امتداد مئة الى مئتي متر وربما اكثر شرقاً. ويستطيع الاسرائيليون بموجب هذا الاتفاق ان يدخلوا "البارك" و"يسوحوا" فيه او ان يعملوا "سيران" كما يقول السوريون منذ الصباح حتى مغيب الشمس ثم يعودون الى داخل اسرائيل. ولكن عليهم ان يدفعوا بدل دخول ولا بد ان يكون هناك باب لهم مخصص لدخولهم هذه المنطقة وخروجهم منها. والامر نفسه بالنسبة الى السوريين الذين يرغبون في زيارتها وكذلك غير السوريين.
كان الاتفاق في متناول اليد. وكان يفترض بعد التوصل اليه ان يتوجه الى سويسرا، مركز المفاوضات وراعيتها، مندوب سوري وآخر اسرائيلي رسميان وان يجتمعا في حضور المفاوضين غير المباشرين السوريين والاسرائيليين وخصوصاً الدكتور ابرهيم سليمان والون لئيل والرعاة السويسريين وان يقرأ الاتفاق ومن ثم توقيعه اذا لم تكن عليه اي تحفظات او اذا لم يستجد ما يجعل أحد الفريقين يحجم عن توقيعه. وبعد ذلك تطبق سائر الاجراءات المعروفة. لكن "القصة" كلها "فرطت" وحصل غير المتوقع. فالسرية التي حرص عليها المفاوضون مع السويسريين والتي حافظوا عليها انتُهكت عندما نشرت صحيفة اسرائيلية بقلم صحافي اسرائيلي اسمه عكيفا الدار موضوعاً مفصّلاً عن المفاوضات واجتماعاتها وما دار فيها ونتائجها من الجانب الاسرائيلي".
واضاف الاميركيون انفسهم الذين واكبوا المفاوضات عن قرب: "كان مع ابرهيم سليمان الون لئيل، وهو مدير عام سابق لوزارة الخارجية في اسرائيل. ونشأت صداقة بين الرجلين لا تزال مستمرة. لكن سليمان الاميركي السوري الاصل شك في ان تكون لصديقه لئيل يد او دور في تسريب المعلومات المفصلة، علما ان هذين الشخصين او بالاحرى فريقيهما استطاعا على مدى سنتين اقناع اولمرت بالتفاوض مع سوريا بعدما كان رافضاً اياه وان على نحو غير مباشر. وحكومته كانت معه في هذه الموافقة، حصل ذلك كله بين 2006 و2007. وكان سليمان يُطلع في استمرار القيادة السورية عبر الاجتماع في دمشق مع اربعة واحياناً اكثر من المسؤولين المهتمين فيها على ما يجري. واحياناً كان يطلعها عبر احد السفراء السوريين في العالم تلافياً للسرعة، وربما كان هذا السفير الممثل الديبلوماسي لسوريا في كندا. وكان هناك اميركي يعمل مع الفريقين اسم عائلته ارونسون يكتب التفاصيل اليومية والدقيقة عن الاجتماعات. وكان الون لئيل يقدمها الى رئيس وزراء اسرائيل وغيره من المسؤولين والمعنيين". قال لي احد الاميركيين الذين عملوا مع سليمان ولئيل ان الاول كان مكلفاً التفاوض عن سوريا او انها كانت موافقة على مفاوضاته غير المباشرة مع الاسرائيليين على الاقل، في حين ان الون لئيل الاسرائيلي لم يكن يملك هذا التفويض من حكومته. علّق الاميركيون انفسهم: "هذا كلام غير صحيح. اذ أن كل ما كان يفعله الون لئيل كان يصل الى اولمرت رئيس الوزراء وغيره من المسؤولين. وكان احياناً كثيرة يستشير الاسرائيليين المعنيين قبل بت امور معينة. وابرهيم سليمان بدوره قام بعشرات الرحلات الى سوريا للبحث مع المسؤولين عن هذا الملف في مجريات المفاوضات واطلاعهم على ما يجري بكل دقة وتفصيل. وكان عنده صديق نافذ ومهم جداً في الادارة الاميركية وعده انه وفور انتهاء المفاوضات الى اتفاق سيتولى اخذ موافقة ادارته وتحديداً الرئيس جورج بوش عليه واكد انه سينجح في ذلك رغم رفض بوش العلني والضمني لاي اتصال او حوار مع سوريا. لذلك كله وبسبب التسريب المشبوه توقفت المفاوضات".
من سرب المعلومات المفصلة عن مفاوضات سويسرا الاسرائيلية – السورية؟ هل يمكن ان تكون اسرائيل لانها لا تريد سلاماً حتى الآن على الاقل ام انها الولايات المتحدة لانها ترفض اي حوار مع سوريا يريحها رغم استمرار مواقفها السلبية وتعاونها المؤذي مع "اعداء" اميركا والمجتمع الدولي؟
اجاب الاميركيون انفسهم: "الحقيقة لا نعرف. وسليمان لا يعرف كذلك. لكنه وفي محاولة معرفة ذلك دعا الصحافي الاسرائيلي المعروف الذي نشر كل شيء الى منزله واستفسر منه عن الامر واستعمل معه كل الوسائل. لكنه لم يحصل على جواب نهائي. الا انه بقي مقتنعا ان اولمرت كان يريد الاتفاق مع سوريا. ربما شخص من فريقه او ربما عضو في الحكومة الاسرائيلية كان ضد التفاوض وتالياً ضد اتفاق كهذا فسرّب الخبر. اما اميركا فليس عند سليمان شيء ملموس يفيد انها كانت وراء التسريب. لكنها قد تكون شجعت من وراء الستار احد المسؤولين الاسرائيليين غير الراضين على ما يجري على التسريب. المهم – اضاف هؤلاء – ان سليمان كان في زيارة لاسرائيل عام 2007 لتلبية دعوة لجنة الخارجية والدفاع في الكنيست والمؤلفة من 32 عضواً لإلقاء كلمة فيها. كان المجلس في اجازة. وهذه اللجنة لم تستقبل في تاريخها سوى انور السادات (الرئيس المصري الراحل) وبيل كلينتون الرئيس الاميركي السابق وابرهيم سليمان. قبل الاجتماع كما درجت العادة أُخذ سليمان الى "الهولوكوست ميموريال" اي الى نصب ذكرى المحرقة. وهناك وبسبب الاحاديث والصور والافلام عن حجم القتل والوحشية يتأثر الانسان من دون ان يدري فاغدرت دمعة على خد سليمان. اشاح بوجهه كي لا يلمحه احد. الا ان كاميرا تلفزيونية "التقطت المشهد" ونشرت الصورة. وتزامن ذلك مع نشر صحيفة اسرائيلية تقريراً شاملاً عن المفاوضات غير المباشرة، فوقعت المشكلة. طبعاً حضر الاجتماع ثلاثون عضواً في اللجنة. اما الاثنان الاخران فكانا مضطرين الى السفر لكنهما اصرا على رؤيته تقديراً لجهوده فرافقاه الى النصب التذكاري. وفي اللجنة كان الترحيب به اجماعياً. طبعاً لا بد من الاشارة الى ان اسرائيل كانت دائماً تشكك في النيات السلمية لسوريا. لكن ما حصل في المفاوضات المباشرة فاق توقعها".
هل لا تزال الاتصالات غير المباشرة مقطوعة؟ وماذا عمّا يتردد في واشنطن عن لقاء الون لئيل وسفير سوريا فيها؟