#adsense

قمة الصعود والانحدار!

حجم الخط

قمة الصعود والانحدار!

حين ضُرب المسيحيون وابتلوا بزلزال التحارب بين الاخوة الاعداء في حرب 1989 التي سميت قواتيا "حرب الالغاء" وعونيا "حرب توحيد البندقية"، لم تكن جرثومة المذهبية شقت طريقها الى صفوف المسلمين بعد. تلك الحرب التي ذهبت بألق المسيحيين وحضارتهم وقوتهم ودفعت بمئات الألوف منهم الى الهجرة التي غيّرت وجه لبنان، ومع ذلك ليس ثمة مستند تاريخي واحد بعد يكشف اسرارها، ويوثّق الاخطاء التاريخية التي تسببت بها، او الظروف المحلية والخارجية التي عملت على تأجيجها. ولو كان ثمة مستند موضوعي حقيقي كهذا لكان واقع المسيحيين اختلف تماما عما هو عليه اليوم.

ان ابشع ما يصاحب فظاعات الانتفاضات والتحارب الداخلي هو تغيير الاقنعة ونزع الاقتناعات وتغييرها كمن يبدل ثيابه على الطلب. "عند تغيير الدول احفظ رأسك"، وهكذا عند تغيير موازين القوى.

يرتفع الآن تحت وطأة العصف المسلح نشيدان طارئان على "اخلاق" السياسة الرائجة، احدهما يمجد الانتصار المسلح لـ"حزب الله"، والآخر يمجد الاعتراف بخطأ تاريخي للحكومة والغالبية. وما بين تمجيد فارغ لانتصار مسلم على مسلم ولبناني على لبناني، واعتراف كاذب بخطأ "لحفظ الرأس"، يلتحق مسلمو لبنان بمسيحييه في واقعتين من وقائع الاحتراب القبلي لن يكون مكتوبا للبنانيين ان يعرفوا فعلا اسرار كل منهما ولو بعد مئة سنة، لان تاريخ الحروب والفتن في لبنان مقيد ضد مجهول ولان اللبنانيين ادمنوا تصديق الاساطير التي غالبا ما تعزو حروبهم الى اخطاء صغيرة وتافهة، او الى احداث عرضية وذرائع واهية. هذا المفهوم الغيبي للحروب هو عنوان شعب يلهو بجلد الذات اكثر مما يهتم فعلا بمعرفة الحقائق. أليست اسطورة "الكلة" التي اشعلت الفتنة الاولى بين الدروز والمسيحيين عام 1840 اثبت من اي تفسير علمي وتاريخي آخر؟ أليست "بوسطة" عين الرمانة وسرها المدفون مع بقاياها هي التفسير اليتيم حتى الآن لمقتل أكثر من 200 ألف لبناني ودمار لبنان سحابة 15 عاما؟

وما بين التاريخ القديم والتاريخ الحديث للحروب والانتفاضات والجرائم والاغتيالات، ثمة عشرات وعشرات من النخب التحقوا ويلتحقون بقوائم القتل واسرار تصفياتهم مقيدة ضد مجهول.

لعله ابشع مصير ان يضطر اللبناني الى مراجعة التاريخ الدموي، للجماعات والافراد والزعامات كل بضعة اعوام ليكتشف سر هذا الاجترار القاتل والادمان الانتحاري اللذين يتحكمان بطبائع من يقيم على مصير اللبنانيين ويتحكم به.

وربما يكون التشخيص ادق واقرب الى المعاينة السريرية العلمية، حين ينحو الى اعتبار "الطائفة" او "المذهب" الاختصار الحقيقي لمأساة التركيبة اللبنانية ما دامت الطائفة تبتلع الدولة وتنصّب نفسها دولة أعلى من النظام، وما دام المذهب يفترس خصومه وابناءه سواء بسواء.

كل طوائف لبنان ومذاهبه سقطت في الدوامة اياها، وها هي تتعاقب تكرارا على الادمان القاتل.

الموارنة وصلوا الى ذروة الصعود ثم انفجروا بحروبهم الذاتية.

الدروز بلغوا قمة القوة وانفجروا حين اصبحوا منفردين بلا شركاء.

السنة دفعوا الثمن المرّ حين تعملق رمزهم وصار خطرا على مسار اقليمي ومحلي فاغتيل مرتين، كما قيل بعد عاصفة 8 ايار.

وها هم الشيعة يصعدون الآن الى قمة الصعود والسيطرة وهي نذير الانحدار في آن واحد ولو كانوا وظلوا طلائع المقاومين لاسرائيل.

"أُكلت يوم أكل الثور الابيض". هو لبنان الطوائف والمذاهب ما دام مفهوم الدولة المدنية يتقهقر الى حدود التلاشي والالغاء التام. وعبثا كل جلد مجاني للذات، وكل تمجيد عبثي فارغ للقوة. وعبثا كل وهم باستقواء من خارج على داخل في بلد ذي تركيبة كيماوية تذيب المنتصرين والمنكسرين من دون هوادة في قابليتها المذهلة لإشعال الفتن.

المصدر:
النهار

خبر عاجل