الأخطاء والأخطار تفتح طريق الحوار
لبنان أعطي فرصة لالتقاط الأنفاس، وسط الأمل في عودة الروح الى النظام الديمقراطي والدور اللبناني الذي يكمل الدور العربي في مواجهة التحدّي الداخلي والخارجي. فاللجنة الوزارية العربية سجلت نجاحاً يكاد ينطبق عليه، بعد تكرار الفشل، المثل الفرنسي القائل: (أجمل من ان يكون حقيقة). بعضه على الأرض، وهو عودة الوضع الى ما كان عليه يوم 5 أيار، اي (الحياة الطبيعية) في وضع مأزوم وغير طبيعي. وبعضه الآخر على الورق، وهو الاتفاق على الحوار، لا على التسوية بل على التوصل الى تسوية. ولا على تسوية شاملة متروكة للمرحلة الثانية من الحوار بعد انتخاب الرئيس التوافقي العماد ميشال سليمان وبرئاسته ومشاركة الجامعة العربية بل على تسوية للبندين اللذين حددهما الرئيس نبيه بري في مبادرته باسم المعارضة: حكومة الوحدة الوطنية، وقانون الانتخاب.
والمفارقة ان هذا الاتفاق كان يمكن التوصل اليه منذ شهور وتوفير الكثير من الخسائر على كل صعيد الى حد تهديد البلد بالانهيار. لكن الظاهر ان اطرافاً عدة كانت مرتاحة الى الأزمة حتى وقعت الفتنة عبر لعبة العنف وصار الخطر على لبنان خطراً على المنطقة. ورب صارّة نافعة. فما قادنا الى بداية الطريق الصحيح سلسلة الأخطاء المدمرة. كأن ما يصح في حالنا وحال العرب، ولم يعد يصح في حال اميركا بوش، هو قول تشرشل (ان الأميركان يرتكبون كل الأخطاء الممكنة قبل الوصول الى الموقف الصحيح).
واليوم يبدأ الحوار في الدوحة بوصول أطرافه مع اللجنة الوزارية على الطائرة التي أقلتها الى بيروت. ومع ان رئيس اللجنة الشيخ حمد بن جاسم يبدو واثقاً من تأييد سوريا والسعودية للحوار واللجنة، فان من الصعب تجاهل المواقف المختلفة داخل الحوار والمشهد من حوله. اذ فوق رأس المتحاورين واللجنة سيفان مصلتان: واحد (خشبي) في مجلس الأمن الذي ينتظر نتائج الحوار ليدعم أو ليتحرك، وآخر جارح هو الخوف من ان يكون لبنان على موعد مع جولات متعاقبة: جولة عنف ثم جولة حوار، وهكذا دواليك. وفي الكواليس وعلى المسرح شيء من حسابات الخلافات العربية، وشيء من حسابات الصراع الأميركي – الايراني الذي له امتدادات اسرائيلية وعربية.
لكن ذلك قابل للاحتواء أو التجاوز. فلا أحد يستطيع منع التسوية المرحلية التي تعيد تكوين السلطة اذا لعب اللبنانيون دورهم الوطني واستعاد العرب وزن الدور العربي بين الأدوار الاقليمية والدور الأميركي.
والمعادلة واضحة: اما ان يخرج الدخان الأبيض من حوار الدوحة، واما ان يملأ الدخان الأسود لبنان والمنطقة.