حقائق برسم بوصلة الإستقلاليين في الدوحة
من يظن ان الانقلاب الذي قام به "حزب ولاية الفقيه" انتهى ليحل مكانه حوار سلمي صادق بين القوى السياسية اللبنانية، هو واهم، لاننا لم نشهد حتى الآن سوى المرحلة الاولى من الانقلاب. فما من شيء تغيّر سوى النجاح الاولي للمسعى العربي برئاسة قطر في محاولة لوضع لبنان على سكة حل معقول في ظل المعطى الميداني المستجد بعد العدوان على بيروت والمناطق، مع استمرار الاحتلال العملي لبيروت، فيما الجيش يحتل الصورة والواجهة من غير ان يشكل حتى الآن ضماناً حقيقياً لامن ابناء بيروت المحتلة وسلامتهم.
لا يهدف ما تقدم الى التقليل من الانجاز الذي حصل على مستوى الوساطة العربية، وانعقاد مؤتمر الدوحة للحوار الوطني اللبناني. كما لا يهدف ايضاً الى التشكيك المطلق. ولكن في المواجهة التي نحن في صددها اليوم لا يجوز الركون الى ظاهر الامور، ولا الوقوع في فخ التبسيط. ولا حتى تقبل المقاربات التقليدية لما يجري. فبنان يواجه التحدي الاكبر لمستقبل الكيان، والصيغة، والنظام، ونمط الحياة. ومصدر التحدي، لا بل الخطر الداهم، هو "حزب ولاية الفقيه" الذي استدار بسلاحه نحو صدور اللبنانيين، مما يجعل من بند السلاح، كل السلاح، بنداً اول في ظل تقلص المظلة الامنية الشرعية الى اقصى مدى، بعد الموقف الذي اتخذته المؤسسة العسكرية.
وقبل الحديث عن الحوار الوطني وعن جدول الاعمال في الدوحة، لا بد من تأكيد بعض الوقائع التي يتعين على قادة التيار الاستقلالي اللبناني ألا ينسوها وهم يهمون بالتفاوض مع "حزب ولاية الفقيه"، وهو وحده الاساس في كل ما جرى ويجري من قضم لمشروع الدولة في لبنان:
1 – ان التهدئة على الارض ليست راسخة بالضرورة، وما من ضمانات حقيقية يعتد بها بأن لا جولة ثانية ترتسم في افق اجندة الحزب.
2 – بيروت مدينة محتلة واقعاً، والجيش لا يزال يسيطر سيطرة صورية على الارض، في حين ان العاصمة مجزأة مربعات امنية – عسكرية، والسلاح منتشر في انحائها، ولا ضمان لسلامة اي كان من التيار الاستقلالي او الاعلام.
3 – لم ينحسر السلاح ولا الانتشار الميليشيوي لـ"حزب ولاية الفقيه" وتابعيه في كل لبنان، من الشمال، الى البقاع الغربي، فتخوم اقليم الخروب، والجبل الدرزي، واخيراً وليس أقره الانتشار والتموضع في اعالي كسروان وجبيل، مما يشير الى ان الخيار العسكري لا يزال على الطاولة حتى اللحظة، ولا نخاله سيرفع عنها في الامد المنظور.
في ظل هذه المعطيات السلبية سيجلس القادة الاستقلاليون الى طاولة المفاوضات ليبحثوا في الحل السياسي وفقاً للجدول الذي أقره الوفد العربي، وقد جرى تعديل الاولويات تبعاً لموازين القوى على الارض، فبعدما كان انتخاب الرئيس من دون اي قيد او شرط بنداً اول، صار البند الاخير، في حين فرضت البندقية الترتيب الذي كانت المعارضة تصر عليه، اي الحكومة ثم قانون الانتخاب فالرئاسة!
ويهمنا في هذه العجالة ان نشدد على نقطتين جوهريتين ينبغي ان توجها بوصلة الاستقلاليين في الدوحة:
اولاً – ان بيروت، وان في ظل انتشار شكلي للجيش، هي مدينة محتلة. واذا لم تفرض خطة امنية – عسكرية لبنانية عربية دولية فليس امام ابنائها الا ان يعلنوا مقاومة مدنية سلمية رافضة للاحتلال على جميع المستويات الشعبية والثقافية والاعلامية. وليس امام سعد الحريري واهل بيروت المظلومين الا ان يعلنوها جهاراً. كما ليس امام الحكومة الشرعية برئاسة فؤاد السنيورة الا ان تخطر العالم بأسره بالحالة الاحتلالية على النحو الذي فعله يوم الاحد الفائت عندما اعلن ان العاصمة محتلة من "ميليشيا حزب الله" مسقطاً عنها شرعية المقاومة.
ثانياً – ان من استخدم السلاح في الداخل مرة، سيستخدمه كل مرة يشعر فيها انه قادر على لي ذراع خصومه في الداخل تحسيناً لموقعه في المعادلة، او امعاناً في تدمير مشروع الدولة. من هنا ضرورة رفع الصوت عالياً، والاصرار على وضع بند سلاح "حزب ولاية الفقيه" بأسره على الطاولة ورفض كل الوعود والعهود اللفظية، لان من اعتدى على بيروت والجبل والشمال والبقاع الغربي كان اغرق البلاد في السابق وعوداً وعهوداً لم يحترمها ساعة اغرق البلاد بالسلاح الميليشيوي، ولا ساعة اتخذ القرار باحتلال عاصمة لبنان والانقلاب على الشرعية.
ولعل اصعب ما في الامر اليوم ان كثير من اللبنانيين باتوا يشعرون بأن ضمانهم الوحيد اليوم لرد العدوان عنهم وعن اهلهم ومناطقهم هو اللجوء الى التسلح. فهل هذا ما يريده الاحتلال الجديد؟