زرقاوي على المتوسط
غسان شربل
الشرق الاوسط هو الشرق الاوسط. دول تنام على ركام امبراطوريات وترتكب سراً احلاماً خطيرة. دول تنام على الفقر والتزايد السكاني فينزلق اهلها الى التطرف ويضاعفون مشاكلهم. ودول تنام على الثروات فتشعر انها مستهدفة. تروج لاعتدال يصعب ان يسود وسط تشابك المخاوف والمظالم.
انه الشرق الاوسط. تنام جروح التاريخ طويلا لتستيقظ فجأة وتنجب المزيد من الجروح. يخيفها الحاضر فتلوذ بالماضي. مفاتيحها عتيقة لا تصلح لبوابات المستقبل. ارضها مليئة بمناجم الاحباط. الرقص مع الآخر ليس من عاداتها. ترى المرونة ضعفاً والتنازل انتحاراً فتفضل الانتحار بطريقة اخرى.
ما اصعب ان يعرف غريب المشاعر العميقة لهذا الجزء من العالم. لهذا بدا الرئيس جورج بوش كمن يتحدث من كوكب آخر. جاء الى المنطقة ونسي ان يصطحب معه المفتاح الوحيد. انجاز على جبهة قيام الدولة الفلسطينية. ومن دون ذلك المفتاح لن تجد دعواته لمواجهة هذا الطرف واحتواء ذاك الصدى الذي يشتهيه.
الشرق الاوسط هو الشرق الاوسط. لا يكفي ان يُقتلع نظام مستبد ليطل ربيع الديموقراطية. لا يكفي ان تُفتح صناديق الاقتراع ليكون لديك توني بلير او نيكولا ساركوزي. لا يمكن حرق المراحل. هذا الجسم القديم يقاوم الاعضاء التي تزرع قسرا او على نحو متسرع.
ثمة هدير عميق في عروق المنطقة. اضاعت توازنها السابق ولم تعثر بعد على توازن جديد. يمكن القول إنها تجتاز مرحلة انتقالية تغص بالخائفين والمجازفين والانتحاريين. لا نستطيع ان ننسى ان بوش نفسه افتتح مرحلة كسر التوازنات فيها. كان قرار اسقاط نظام صدام حسين كبيرا وخطيرا. اظهرت التطورات ان من اتخذه لم يكن يعرف العمق العراقي وعمق الشرق الاوسط.
كسر قرار غزو العراق التوازنات داخل ذلك البلد. كسر التوازنات التاريخية في المثلث التركي العراقي الايراني. كسر التوازن الايراني العربي عند حدود «البوابة الشرقية». وحين بدأت ملامح الغرق الاميركي في «المستنقع العراقي» انفتح باب المغامرات وكشفت الشهيات عن جوعها المزمن.
في ظل التعثر الاميركي في العراق وافغانستان اطل المشروع الايراني. مشروع دولة كبرى في الاقليم تحلم باللحاق بباكستان الى نادي الدول النووية. دولة صاعدة تحاول توسيع دورها. وهذا التوسع لن يكون على حساب نفوذ القوة الغربية المتعثرة وحده بل ايضا على حساب الادوار التقليدية للدول البارزة في المنطقة.
الدول التي اقلقتها احتمالات نجاح البرنامج الاميركي الذي بدأ بغزو العراق وفي طليعتها ايران وسورية، انهمكت في جعل هذا النجاح مكلفاً او متعذراً. وحين دخل الغزو مرحلة التخبط اعادت تقويم حساباتها منتقلة الى مرحلة جديدة في تعزيز دورها والإمساك بأوراق جديدة. لا يمكن هنا تجاهل ما اسفرت عنه حرب تموز في لبنان. لا يمكن تناسي مبادرة «حماس» الى الحسم العسكري في شوارع غزة. واذا كانت ادارة بوش افتتحت لعبة كسر التوازن فان المحور المناهض لها رد لاحقا بعمليات لكسر التوازن في غزة وبيروت.
اللعبة في بيروت تبدو شديدة الخطورة. كسر التوازنات فيها يتعدى حدود البلد الصغير. انه كسر جديد وكبير للتوازنات في المنطقة. من هنا يجدر بالسياسيين اللبنانيين المجتمعين في الدوحة الالتفات الى ما يمكن ان يترتب على هذه اللعبة. كسر التوازنات الداخلية قد يحوّل البلد برمته مجموعة جزر وشظايا متطايرة. وكسر التوازنات الاقليمية في لبنان يدفع الى التساؤل عن المسرح المقبل لعملية كسر التوازن.
كسر التوازنات في العراق ادخل ايران الى قلب القرار العراقي. لكن الخلل في التوازنات انجب الزرقاوي واستقدم لغة الفسطاطين. في حرب تموز حجزت ايران لنفسها موقعا على المتوسط. المبالغة في كسر التوازن لا تعد لبنان والمنطقة بغير قيام زرقاوي جديد وهذه المرة على المتوسط. وتقول دروس التاريخ ان المبالغة في اللعب بالنار تؤدي الى احراق الاصابع او اكثر. ان كسر التوازنات في الشرق الاوسط لا يعد في المرحلة الحالية الا بالزرقاويين والعمليات الانتحارية.