لا توافق بلا مصالحة حقيقية!
لا نذيع سراً إذا قلنا أن الفشل ممنوع على أقطاب الحوار اللبناني في الدوحة، وأن النجاح محتوم ومفروض على الجميع، لأن ثمة تسوية توصل إليها "اللاعبون الكبار" على الساحة اللبنانية، وتقضي بتهدئة اللعبة في لبنان، ومنع هذا البلد المعذّب من السقوط في هاوية التفكك والاحتراب الداخلي!
ومسارعة الأطراف الإقليمية والدولية إلى إخراج الوطن الصغير من مأزقه المتمادي، لم تكن بسبب مخاطر التمدد المسلّح لحزب الله وحلفائه في بيروت والجبل وحسب، بل وأيضاً، ولعل هذا الأهم في الحسابات الخارجية، تجنباً لامتداد الشرارة المذهبية في لبنان إلى دول المنطقة، وإشعال حروب طائفية ومذهبية لا تُبقي ولا تذر، ولن يخرج منها أحد سالماً ولا منتصراً·
وكان واضحاً بالنسبة للأكثرية الساحقة من اللبنانيين، أن عجز قياداتهم في الموالاة والمعارضة على التوصل الي توافق معقول، ومقبول للجميع، لم تكن أسبابه محلية فقط، بقدر ما كانت خارجية، حيث مورست شتى أنواع الضغوطات والتداخلات لمنع اللبنانيين من التحاور في فترة عصيبة من الأزمة الراهنة، ثم للحؤول دون توافقهم على انتخاب الرئيس التوافقي وبقية بنود الأزمة، كلما لاحت في الأفق بوادر تقارب وتوافق ما!·
أما وإن الاستشعار الإقليمي والدولي بخطر الحرب المذهبية، وتداعيات التدهور المريع للأوضاع اللبنانية بعد هجوم المعارضة على بيروت والجبل واشتعال جبهتي الشمال والبقاع أدى إلى تدارك سريع من الأطراف الخارجية بهدف محاصرة النيران اللبنانية، فيمكن القول بأن القادة اللبنانيين إلى مؤتمر الدوحة محكوم عليهم بالنجاح، وفي أسرع وقت ممكن، وفي حال تعذر عليهم التوصل إلى صيغة حل في ما بينهم، سيتولى الراعي القطري، وبالنيابة عن الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى، إخراج ورقة الحل من جلبابه، ووضعها أمام كل الأفرقاء اللبنانيين، ليتولى كل منهم، في الموالاة وفي المعارضة، تنفيذ ما هو معني به، لطي صفحة الأزمة وإعادة البلد إلى أجواء الأمن والاستقرار، وإفساح المجال أمام نهوض الدولة ومؤسساتها بدءاً من إجراء الانتخابات الرئاسية فوراً، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، والإعداد للانتخابات النيابية المقبلة وفق قانون انتخاب عادل يحظى بقبول الجميع·
ولكن ماذا بالنسبة لسلاح حزب الله وحلفائه المحليين؟· * * * لا ندري بعد ما هي حسابات المغامرة العسكرية التي قادها حزب الله في بيروت والجبل، ولكن مما لا شك فيه أن إحداثيات تلك العملية – المغامرة أفقدت سلاح المقاومة هيبته وقدسيته، وحوّلت بندقية التحرير إلى سلاح مشهور في وجه الشركاء في الوطن، الذين يخالفون حزب الله في مواقفه وتوجهاته السياسية، وذلك بعدما بقي هذا السلاح يعمل مستتراً في الحركة السياسية الداخلية، والتي بلغت ذروتها قبل سنة ونيف في مخيم الاعتصام الذي يتولى جهاز الانضباط في حزب الله شؤون ادارته والحفاظ على استمراره والمحافظة على أمنه!·
قد يكون حزب الله تسرع في استخدام سلاحه في الداخل، ولكن هذا التسرع لا يبرّر معالجة خطأ الحكومة بخطأ أكبر من جانب الحزب، ولا يجب التقليل من خطورة الجراح العميقة التي تركتها عملية حزب الله في نفوس أهالي بيروت والجبل، كما لا يجوز تجاوز حجم القلق اللبناني الشامل الذي خلّفه الاستعمال المفرط للقوة في حسم الخلافات السياسية الداخلية·
وكان طبيعياً أن تسبق أصداء معارك شوارع العاصمة وقرى الجبل المتحاورين الى الدوحة ليغدو السلاح بنداً رئيسياً على طاولة الحوار، لا يقل أهمية، بالنسبة لفريق الأكثرية، عن بندي الحكومة والانتخابات·
ويبدو ان التفاهمات الإقليمية والدولية حول موضوع السلاح قد وصلت إلى مرحلة المعالجة المتدرجة، ولو على قاعدة الخطوة خطوة، بعدما تم وضع خط عريض فاصل بين رفض استعمال السلاح أو أية وسائل عنفية في الداخل، على أن يتم لاحقاً، وبخطوة أخرى، بحث سلاح المقاومة ضد العدو الإسرائيلي في إطار التفاهم على سياسة دفاعية شاملة·
لا أحد يطالب بنزع السلاح حالياً، ولكن مطلب الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، يتركز على ضرورة استبعاد السلاح من المعادلة الداخلية، حرصاً على سلامة التوازنات الوطنية الدقيقة والهشة من جهة، وتجنباً لتكرار ما حصل في أسبوع الآلام الماضي والذي كاد يُطيح بالكيان والصيغة معاً·
ولعل مبادرة رئيس الحكومة القطرية الشيخ حمد بأخذ صيغة ضمان عدم استخدام السلاح في الداخل على عاتقه، بما عُرف عنه من حنكة وذكاء، يُساعد على إيجاد المخرج المقبول لموضوع السلاح، مرحلياً على الأقل، وريثما تنعقد طاولة الحوار من جديد في بعبدا برعاية الرئيس التوافقي المنتخب العماد ميشال سليمان·
* * * ولكن من يقول إنه يكفي التوصل إلى "اتفاق ما" أو حتى إعلان نوايا في الدوحة، حتى تعود الأمور إلى مجاريها الطبيعية في البلد، وفي بيروت خاصة·
لا شك في أن انتهاء مؤتمر الدوحة بنتائج توافقية، من شأنه أن يحقق انفراجاً سياسياً فورياً، خاصة في حال الإسراع في رفع مخيم الاعتصام وانتخاب رئيس للجمهورية، ولكن هذا الانفراج السياسي، من فوق، لا يكفي وحده لبلسمة الجراح العميقة التي خلّفتها الأحداث الأخيرة، والتي تهدد تفاعلاتها بزرع الحقد والكراهية بين أبناء المنطقة الواحدة والحيّ الواحد، وحتى البيت الواحد!·
إن أهمية أي توافق جديد يمكن إنجازه في الدوحة، تكمن في قدرة هذا التوافق على إنتاج خطاب سياسي جديد يطوي صفحة الصراع الأسود، ويفتح أبواب المصالحة الحقيقية، ويُقفل ملفات الخلافات البغيضة، وتسخير طاقات القيادات وكوادرها لتهدئة النفوس والخواطر بين أبناء الدين الواحد، وإعادة اللحمة بين المسلمين أولاً، الذين تبقى وحدتهم هي المدماك الأساس لوحدة كل اللبنانيين·
ولا ضرورة للتأكيد على أن التوافق الحقيقي والجدّي يجب أن يكسر الحواجز التي باعدت بين القيادات، التي يجب أن تعود إلى لقاءاتها الدورية، وأن تشجّع التشاور والتفاعل في ما بينها، للعمل على تجنب الكارثة قبل وقوعها·
أما الاكتفاء باللقاءات العابرة والمصالحات الفوقية فقط، والالتهاء بتوزيع المناصب والحصص، فيكون من نوع القفز فوق الواقع، وتجاهل النار المتوقدة تحت الرماد!·