هل يستطيع الجيش اعتماد الحياد الايجابي؟
هذا نقاش سياسي يدور في لبنان بين رأيين متقابلين مستقلين حول ما فعله او ما لم يفعله الجيش اللبناني خلال انقلاب حزب الله على اللبنانيين الذي بدأ يوم 1/12/2006، يوم حاصر السراي ونظم اعتصامه وسط بيروت التجاري، وبلغ ذروته يوم 8/5/2008، باستخدامه السلاح ضد اللبنانيين.
رأي يقول ان الاسلوب الذي اعتمده الجيش اللبناني بعدم منع حزب الله وكل الشراذم التابعة له من الانقلاب على سياسة لبنان المستقلة، وهجماته المسلحة على حياة اللبنانيين السلمية واحتلال مكاتب خصومه السياسيين وحصاره لقادة البلاد: رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، زعيم الاغلبية النيابية سعد الحريري والزعيم الوطني وليد جنبلاط، وتدمير المؤسسات الاعلامية والتربوية والثقافية.. هذا الاسلوب لم يكن بمستوى المسؤولية الوطنية ولا المناقبية التي تحكم تسليم الوطن والمجتمع لمؤسسته العسكرية أمنه وحياته واستقراره وممارسة مؤسساته حقها وحياتها الطبيعية تحت حمايته ويستدلون على ذلك بشواهد عديدة، منها ان المكاتب والمؤسسات الحزبية والاعلامية والوطنية التابعة لقوى الاغلبية النيابية والشعبية كانت تسلّم أمنها وواقعها كله لعناصر وضباط الجيش الذين كانوا يهرعون الى نجدتهم امام هجمات ميليشيات حزب الله وأتباعه عليها، وبعد ان يتسلم الجيش هذه المكاتب والمؤسسات ويغادرها اصحابها، كانت ميليشيات حزب الله واتباعه يدمرون هذه المكاتب ويحرقونها، دون ان يحاول الجيش منعهم او التصدي لهم، بل كان يكتفي بعد الحرق والتدمير بأن يعيد فرض سيطرته عليها.. بعد خراب البصرة.
ويتابع اصحاب هذا الرأي القول بأن الجيش اللبناني الذي حمى السرايا الحكومية بتوافق سعودي – ايراني بعد اقتحامها من قبل ميليشيات حزب الله يوم 1/12/2006 شاهد على اقامة حزب الله لمستعمرته الامنية وسط الشارع التجاري الاهم في لبنان دون ان يقوم بواجبه بفرض اخلاء هذا الشارع بعد ان استنفد الاعتصام المسلح غايته، وقد مضى عليه نحو 18 شهراً وأسبوعين.. تحول خلالها الاعتصام المسلح الى مستعمرة امنية لحزب الله في وسط بيروت التجاري.
لكن اصحاب الرأي الآخر يبدأون الرد بأن تمسك الزعيم الوطني وليد جنبلاط بطلب تدخل الجيش في كل المناطق في بيروت والجبل وتسليم مكاتبه بالاتفاق مع زعيم الاغلبية النيابية والشعبية سعد الحريري للجيش اللبناني، دليل اكيد على الثقة بالجيش اللبناني وقيادته، واللجوء اليه لحماية المواطنين والحزبيين والقياديين.
ويتابع اصحاب هذا الرأي قولهم بأن قدرات الجيش اللبناني المحدودة موزعة على مساحة الوطن كله، بما لا يستطيعه أي جيش في العالم.. ما زالت في طور اعادة البناء التي لم يمض عليها سوى ثلاث سنوات، بعد ان تعمد نظام الوصاية السوري تهميشه وتهجينه واختراقه ومنع عنه التسلح واكتفى معه بالتوجيه السياسي العقائدي.
ثم ان هذا الجيش – والكلام للرأي الآخر – هو ابن هذه التركيبة الاجتماعية الطائفية والمذهبية والعائلية في لبنان ولا يمكن له ان يغادرها نهائياً حتى لو كانت الجهود المضنية المبذولة للصهر الوطني الحقيقي فعلاً اضعاف اضعاف ما يجري حالياً، لأن العقدة في هذه الولاءات لا تبدأ في الجيش.. بل هي سوس المجتمع اللبناني.. وقد ظهر حتى الآن ان هذا السوس نخر في جسد المجتمع وأفرز حالات غرائزية تحمل اسماء احزاب وحركات وقيادات وميليشيات من كل الجهات.. لكنها ما زالت حتى الآن خارج سلوكية الجيش العامة بفضل حكمة قيادته وقراره الحيادي حتى الآن..
ان الجيش – والرأي للفريق الآخر – لا يستطيع ان يكون ملتـزماً الحياد الايجابي، أي ان يقف مع الحق اينما كان، لأن تركيبة المجتمع اللبناني من جهة التي تعكس حالها على القرار السياسي الوطني بدءاً من الحكومة اللبنانية، لا تتحمل الوقوف مع الحق وحده.. انما يمكن ان تقول انني مع الحق.. ولكن.. وتصبح ولكن هي القضية.. حرصاً على وحدته اولاً.. ولمنع المزيد من إراقة الدماء.
هنا يعود الفريق الاول للقول: نحن نعترف بأن دور الجيش كان اساسياً في منع إراقة المزيد من الدماء.. ولكن يجب ان نسجل اولاً ان منع إراقة الدماء هو وسام يسطع على صدور الاغلبية النيابية التي رفضت استخدام السلاح، وحين دخل الجيش قبل او بعد الميليشيات الى هذه المكاتب وجدها خالية الا من سلاح فردي يمتلكه أي مواطن عادي في أي مكان في لبنان دون ان يكون حزبياً او سياسياً او عقائدياً او ميليشيوياً.
ويعترف هذا الفريق ايضاً بأن من المهم جداً ان يحافظ الجيش على وحدته خوفاً من ان يصيبه الانقسام المذهبي والطائفي الحاصل في المجتمع.. الا ان الأهم هو المحافظة على وحدة الوطن.. فلا حياة لأي مؤسسة ولا بقاء اذا لم يبقَ الوطن.
يرد الفريق الآخر بالقول: وهل يمكن ان تقوم وحدة وطن اذا لم تكن متوافرة في المؤسسة العسكرية؟ ألا يذكر الجميع ان فرط الجيش عام 1976 كان مقدمة لفرط الوطن وإستعار الحرب الاهلية ثم التمهيد القسري للمجيء بنظام الوصاية السورية؟ ألا ترون ان فرط الجيش مهّد للحرب الاهلية وسعّرها وأطال أمدها، ثم كان نظام الوصاية وطوله مرتبطين باستمرار اضعاف المؤسسة العسكرية بعد ان سلموها لرجلها الذي جاؤوا به رئيساً بعد ذلك؟.
والنقاش لا ينتهي.