في الحوار
في نظرة سريعة على الإتفاق الذي بدأ الحوار على أساسه يمكن ملاحظة ما يلي:
كسبت المعارضة في المواضيع التالية:
* تراجع الحكومة عن قراريها تحت ضغط السلاح وخطر الحرب الأهلية والفتنة المذهبية
* الذهاب الفوري للحوار دون شروط
* حوار حول حكومة الوحدة الوطنية وقانون الإنتخاب قبل انتخاب الرئيس
هذه التنازلات قد يعتبرها البعض كبيرة وخطيرة وهي بالفعل كذلك ولكن في الأوضاع الراهنة وواقع التوازنات المحلية والإقليمية وفي ظل غياب البديل، وبعد وضع الأمور في إطارها يمكن قراءة مكاسب الحكومة وقوى 14 آذار كما يلي:
* الانهاء الفوري للمظاهر المسلحة بكافة صورها، والسحب الكامل للمسلحين من الشوارع وفتح الطرقات والمنافذ البرية ومطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت
* تولي الجيش مسؤولية الحفاظ على الأمن والسلم الأهلي وتأمين عمل المؤسسات العامة والخاصة
* يتوج الاتفاق بإنهاء الاعتصام في وسط بيروت عشية انتخاب الرئيس التوافقي
* يبدأ الحوار بعد تنفيذ البند الأول وهو إنهاء المظاهر المسلحة وفك حصار بيروت
* تعهد الأطراف بالامتناع عن العودة الى استخدام السلاح والعنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية وهذا طبعاً يعني حزب الله وحلفاءه بشكل أساسي
* إطلاق الحوار حول تعزيز سلطة الدولة اللبنانية على كافة أراضيها وعلاقتها مع مختلف التنظيمات على الساحة اللبنانية بما يضمن أمن الدولة والمواطنين ويستكمل برئاسة رئيس الجمهورية
هذه القراءة السريعة للإتفاق تظهر أن مكاسب 14 آذار أكثر من مكاسب المعارضة في المدى القريب. أما في المدى البعيد وبالنظر الى العامين الماضيين تظهر مكاسب 14 آذار أكثر عبر تحقيقها لتعهداتها وهي باختصار عدم سقوط الحكومة أو التراجع عن قراراتها، عدم التخلي أو المساومة على المحكمة الدولية، وفي المقابل فك الإعتصام المشؤوم في وسط بيروت دون أن يحقق شيء، وتعزيز دور الجيش في الفترة القادمة على حساب التنظيمات المسلحة كافة.
أما وقد طمأنا اللبنانيين الى أن قيادات ثورة الأرز لم تتراجع ولن تتراجع مهما فعلت سوريا وحزب الله ومن معهم، فلا بد من التحذير من التفاصيل وشياطينها والتي ستكشف نوايا هؤلاء مرة جديدة ولكن هذه المرة بلمس اليد.
* ماذا يحصل إذا لم يتم الإتفاق على شكل وتفاصيل حكومة الوحدة الوطنية وهذا أمر غير مستبعد. لا بل أبعد من ذلك، ماذا يحدث إذا تم الإتفاق على صيغة وعند التنفيذ رفضها الرئيس المنتخب وطالب بحصة أكبر أو صيغة مختلفة وهذا من الصلاحيات القليلة وربما الأهم التي أبقاها له الطائف. ماذا سيفعل عبقري الرابية، هل سيطالب بإلزام الرئيس بما اتفق عليه أو ربما يطالب بنزع هذه الصلاحية منه أيضاً لأن الثلث المعطل للمعارضة هو الضمانة لحقوق المسيحيين.
* ماذا سيحصل إذا لم يتم الإتفاق على قانون الإنتخاب، أو إذا كان ما سيتفق عليه لا يتوافق مع الطائف والدستور اللبناني (وهو المحافظة بعد إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية). هل سيسوى الأمر بتسوية على حساب الدستور كما كان يحصل أيام وحدة المسار والمصير والمجلس سيد نفسه، أم سيفتح هذا الباب أمام تعجيز جديد هو قانون اللامركزية الأدارية، وكله طبعاَ قبل أنتخاب الرئيس.
* ماذا إذا طال الحوار المكثف والمتواصل الى الأبد دون التوصل الى إتفاق، أو تم الإتفاق على بعضها وبقي البعض الآخر
* من يحدد نوايا استعمال السلاح، وماذا إذا برر حزب الله هجمة جديدة على أساس أنها دفاعا عن الأرض أو عن المقاومة وبأنها لا تبتغي المكاسب السياسية (وهذا ما ادعاه في الإنقلاب الأخير)
* ماذا بعد وقف التخوين، كيف تلتئم الجراح وكيف يتشارك "أشرف الناس" مع عملاء أسرئيل وأمريكا في حكومة واحدة وفي وطن واحد. كيف سيشعر إبن الطريق الجديدة حين يمر غداً في حي الشرفاء، كيف سيجلس في نفس القهوة والبناية والحي مع من أطلق النار على عائلته وأخرجهم عنوة من بيوتهم. كيف سينام إبن عين الرمانة دون وضع البندقية تحت تخته وهو يعلم أن الوحش في الشارع المقابل قد يستفيق في أية لحظة إذا انقطعت الكهرباء أو نقل موظف أو تجرأ أحد البرامج الفكاهية على الإلهيات، أو أو أو أو…
ختاماً، أعتذر على التشاؤم، ولكنها شدة الواقعية التي علمتنا أن "من يجرب مجرب كان عقله مخرباً" كما ذكّرنا سيدنا البطريرك وقائدنا الحكيم، وأن من أقدم على الإنتحار في شوارع بيروت لم يعد لديه ما يخسر خاصة وأن أسدهم وسندهم الأساس يعرض رأسهم على طاولة المفاوضات دون أي خجل.
في هذه المعمعة شيء واحد ثابت: هذا هو ماضينا، وهذا هو حاضرنا، وهذا هو مستقبلنا محكومون بالمقاومة المستمرة بأشكال مختلفة وضدد مخاطر متنوعة ولكن الأكيد واحد أننا باقون في هذه الأرض، لأننا دفعنا ثمنها آلاف الشهداء، وسنبقى ونصمد ونثبت لأن "من يثبت للمنتهى يخلص" ولأن ما هو مؤسس على الصخر، أبواب الجحيم (مهما إدعت الألوهية) لن تقوى عليه.