هل «حزب الله» حرّ… كي ينجح الحوار؟
خيرالله خيرالله
جاء الاتفاق الذي أعلنت عنه اللجنة العربية، التي زارت بيروت يومي الأربعاء والخميس الماضيين، ليقطع الطريق على توسيع الفتنة، والمحافظة على السلم الأهلي، في حده الأدنى. ولا شك أن اللجنة ما كانت لتستطيع تحقيق ما حققته، في خلال أربع وعشرين ساعة، لولا وجود الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري على رأسها. الواضح أن رئاسة المسؤول القطري الكبير للجنة العربية لعب دورا في إقناع المعنيين بأن هناك مقدارا من الجدية في كل خطوة تقدم عليها، خصوصا أن لدى قطر علاقة جيدة بالطرفين اللذين يدعمان ميليشيا «حزب الله»، التي استباحت بيروت، وبيوت أهلها، وكل ما هو حضاري وعلى علاقة بالعيش المشترك في المدينة.
هذان الطرفان هما النظامان السوري والإيراني. وقد أعار الأخير «حزب الله» للنظام السوري موقتا لأسباب مرتبطة أساسا بأهداف خاصة بكل من طهران ودمشق من جهة، والرغبة المشتركة في تكريس لبنان ساحة للمحور القائم بينهما من جهة أخرى. والواضح، أقله إلى الآن، أن الحزب المُعار، الذي ليس في النهاية سوى لواء في «الحرس الثوري الإيراني»، أدى المهمة المطلوبة منه على صعيد إغراق بيروت في البؤس والفتنة المذهبية، مع تأكيد أن لسلاحه مهمة معينة واضحة كل الوضوح، تتمثل في خدمة أهداف النظام السوري، وتغطية جرائمه المتتالية وعلى رأسها جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. يستتبع ذلك بالطبع، ضرورة التصدي للمحكمة الدولية التي كانت وراء استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة تلبية لتعليمات من «حزب الله»، ونزع الغطاء اللبناني عنها، وإظهار المحكمة كما لو أنها تعمل خلافا لإرادة مؤسسات الدولة اللبنانية. وهذا ما يفسر، إلى حد كبير، استشراس «حزب الله» وأدواته المستأجرة، كالنائب ميشال عون، أو يتامى الأجهزة السورية، من أجل الحصول على الثلث المعطل في الحكومة اللبنانية، والتزام التوجيهات السورية القاضية بمنع انتخاب رئيس جديد للبنان، خلفا لذلك الذي يخجل المرء من ذكر اسمه.
المهم الآن أن هناك هدنة في لبنان. هل تؤدي الهدنة إلى حل، أم من السابق لأوانه البحث عن مخرج حقيقي من الأزمة العميقة التي يعاني منها لبنان، وفي أساسها الرغبة السورية في استعادة الوصاية عليه، واعتقاد إيران أنه صار منطقة نفوذ تابعة لها ما دامت ميليشيا «حزب الله» أقوى من الجيش اللبناني؟
في كل الأحوال إن الحل في لبنان، في حال التوصل إليه، سيكرس سابقة في غاية الخطورة في ضوء إصرار ما يسمى المعارضة، والحقيقة أن لا شيء في المعارضة غير «حزب الله»، على وضع شروط على انتخاب رئيس جديد للجمهورية. هذه الشروط بمثابة هرطقة دستورية وقانونية ليس إلا. لا يمكن في أي بلد في العالم ربط انتخاب رئيس للجمهورية بشروط معينة، من نوع الاتفاق مسبقا على الحكومة التي ستشكل، أو على قانون جديد للانتخابات النيابية. ولكن لحسن الحظ، تنبه الذين صاغوا «بيان اللجنة العربية» إلى أمر في غاية الأهمية يتمثل في تأكيد أن الدستور اللبناني و«اتفاق الطائف» هما المرجعية، وأن الاتفاق الذي أوقف الهجمة الإيرانية- السورية على بيروت يأتي تحت سقف الدستور، وتحت سقف «اتفاق الطائف» الذي يدعو إلى حل كل الميليشيات المسلحة. أكثر من ذلك، تضمّن الاتفاق نقطة أخرى، يمكن وصفها بالمهمة، مرتبطة بتعزيز سلطة الدولة اللبنانية على كل الأراضي اللبنانية.
كشفت «غزوة بيروت» الوجه الحقيقي لـ «حزب الله» بصفته ميليشيا مسلحة تابعة للنظام الإيراني. كل ما تبقى تفاصيل. لم تعد لدى اللبنانيين أي أوهام في شأن طبيعة هذا الحزب والمهمة التي يؤديها، ومدى خطورته على التركيبة اللبنانية، ومستقبل الجمهورية في الوطن الصغير، ومستقبل لبنان نفسه. أراد الحزب ولا يزال يريد تغيير وجه لبنان، معتمدا على السلاح، وضمه إلى المحور الإيراني- السوري. هذا ما اكتشفه اللبنانيون وتأكّدوا منه بالملموس. هل ينضم إليهم العرب ويشاركونهم في استيعاب مخاطر الاكتشاف، وفي الاستفادة منه بغية المساهمة في وضع حد لانتشار وباء الغرائز المذهبية إلى أماكن أخرى في المنطقة، على رأسها سورية التي يلعب نظامها لعبة لا يدري أنها سترتد عليه عاجلا أم آجلا؟
في استطاعة حوار الدوحة أن يذهب إلى أبعد من تثبيت هدنة على الأراضي اللبنانية. إن ذلك ممكن في حال طرح موضوع سلاح «حزب الله» الذي يوجه إلى صدور اللبنانين، ويشكل اعتداء على مستقبل الدولة اللبنانية، ووحدة الكيان اللبناني، ومستقبل أبناء كل عائلة في لبنان بمن في ذلك أبناء الطائفة الشيعية الكريمة. ليس مطلوبا بالطبع نزع سلاح الحزب فورا تنفيذا لـ «اتفاق الطائف» الذي يُعتبر القرار الرقم 1559 نسخة طبق الأصل عنه. المطلوب البحث في دور هذا السلاح بما يصب في مصلحة لبنان من منطلق أن دور المقاومة انتهى في العام 2000، وتكرست النهاية بصدور القرار 1701. لا وجود لشيء اسمه مقاومة من أجل المقاومة. من يمارس المقاومة من أجل المقاومة ينتهي ميليشيا مذهبية في أزقة بيروت وشوارعها، كما حصل مع «حزب الله» أخيرا.
لا بد من شكر أعضاء جامعة الدول العربية، على رأس هؤلاء دولة قطر التي يستضيف أميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحوار اللبناني. الحوار ضروري من دون أدنى شك. لكن الحوار المفيد والمجدي يدور بين أحرار. هل «حزب الله» حرّ؟ متى يصير «حزب الله» حزبا لبنانيا حرا قادرا على التزام حد أدنى من التصرفات الأخلاقية بدءا بالامتناع عن الاعتداء على الناس، وعلى الأملاك الخاصة والعامة، يصبح في الإمكان الكلام عن حل في لبنان، يصبح بالإمكان الحديث عن حزب يحترم الدستور والقوانين اللبنانية، ولا يسعى إلى فرض رأيه بالقوة. من راهن على قدرة الحزب على القيام بهذه النقلة النوعية خاب أمله حتى الآن. الحزب مجرد أداة إيرانية مُعارة للنظام السوري تعيش في معزل عن الحياة السياسية والاقتصادية في لبنان. هل تغيّر شيء في دمشق وطهران كي يكون في الإمكان الحديث عن حل في لبنان؟