#adsense

وصفة لتأجيج النزاع

حجم الخط

وصفة لتأجيج النزاع
مصطفى زين

ذهب زعماء الطوائف اللبنانية الى الدوحة من دون أن يحمل أي منهم تصوراً لإعادة تأسيس النظام على أساس وطني شامل. طموح أي منهم أن يحصل على أكبر قدر من المكاسب لنفسه، باعتباره يمثل طائفته في مواجهة الآخرين. وتفتقت عبقرية الجميع عن العودة الى قانون الانتخابات لعام 1960. وكان طبيعياً أن يرافق هذه العودة الكثير من الخلافات، فلبنان اليوم مختلف تماماً عنه في الستينات، طرأت عليه تغييرات كثيرة، أهمها الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً. وما زالت مفاعيلها قائمة حتى اليوم.

قانون 1960 فصل على قياس الطبقة السياسية في تلك المرحلة. من دون احصاء سكاني أعطى المسيحيين 54 مقعداً نيابياً مقابل 45 مقعداً للمسلمين. وقسم لبنان الى 26 دائرة، على أساس القضاء. ودمج دائرتين معاً في بعض المحافظات. وكان التقسيم أو الدمج لخدمة هذا المرشح المقرب من الرئيس (فؤاد شهاب) أو لإبعاد خصومه. قُسمت بيروت الى ثلاث دوائر لضمان انتخاب زعيم حزب الكتائب الماروني بيار الجميل لإبعاده عن الرئيس كميل شمعون. وكان الجميل يصل الى الندوة النيابية بأصوات الأرمن. ولمراعاة الزعيم الدرزي كمال جنبلاط، حليف الرئيس القوي، دمجت أربع دوائر في الشوف، بعقلين وجون، ودير القمر وشحيم، أي أن جنبلاط كان يصل الى البرلمان على رأس كتلة كبيرة متراصة (لم يغير قانون 1989 هذا التقسيم دعماً لوليد جنبلاط). وقس على ذلك باقي الدوائر والأقضية.

كرس قانون 1960 الذي عاد إليه المتحاورون في الدوحة الاقطاع السياسي على أسس طائفية. وكرست التعديلات اللاحقة هذا النهج، خصوصاً بعد اتفاق الطائف الذي ساوى بين عدد النواب المسلمين والمسيحيين، ومرة أخرى من دون احصاء سكاني. وأصبح رئيس اللائحة يفرض على الناخبين المرشح الذي يريد، فاللائحة التي يتزعمها رئيس البرلمان لا يمكن لأي مرشح آخر أن ينافسها. وكذلك لائحة «حزب الله»، أو لائحة الحريري. بمعنى آخر أصبح هؤلاء الزعماء مصدر السلطات، بدلاً من أن يكون الشعب مصدرها، وفي ذلك مخالفة للدستور اللبناني ولأبسط قواعد الديموقراطية. وأصبحت الحكومات التي يختارها المجلس النيابي خاضعة كلياً لارادة زعماء الكتل، تمثل مصالحهم، وتوجهاتهم السياسية، الخاضعة بدورها لمساومات في ما بينهم.

قانونا 1960 و1989 يميزان أيضاً بين الدوائر. في بيروت الثالثة مثلاً، 165 ألف ناخب يختارون 10 نواب. وفي بعلبك – الهرمل 283 ألف ناخب يختارون أيضاً 10 نواب. في صور 130 ألف ناخب يختارون أربعة نواب، كلهم شيعة، علماً أن في هذه الدائرة أكثر من 30 ألف ناخب مسيحي.

خلاصة القول إن أياً من القوانين الانتخابية لم يكن عادلاً، لا بمقياس الديموقراطية التوافقية ولا بأي مقياس ديموقراطي معروف في العالم، فضلاً عن أنها جعلت حصانة النائب مرهونة بولائه لزعيم الكتلة الذي يستمد قوته من «قداسة» الطائفة، ومن الخارج أيضاً. هذه الحصانة أتاحت لرئيس مجلس النواب تعطيله العمل التشريعي طوال المرحلة السابقة. وأتاحت لرئيس الحكومة التمسك بالسلطة، على رغم خروج أكثر من نصف اللبنانيين الى الشارع متظاهرين ضده. وعلى رغم نذر الحرب الأهلية التي كادت أن تندلع منذ أسبوعين.

المساومات في الدوحة ستعيد انتاج السلطة وتوزيع الحصص لارضاء هذا الزعيم أو ذاك، أو لمسايرة هذه الدولة أو تلك، هذا اذا نجحت. أما النظام الذي يحول اللبناني من تابع الى مواطن، فأبعد ما يكون عن برامج المجتمعين في العاصمة القطرية وتطلعاتهم. وقد ينتجون صيغة تؤجل الانفجار لكنها تؤسس لمرحلة جديدة من النزاع

المصدر:
الحياة

خبر عاجل