لأنه يعيد لبنان إلى المؤسسات ويضعُ مشكلة السلاح على طاولة الحوار
ويرفع احترام القانون إلى مرتبة ميثاقية
"اتفاق الدوحة" مفصليّ و14 آذار أمام مرحلة جديدة من الوحدة
نصير الأسعد
خلّف "إتفاق الدوحة" ارتياحاً كبيراً ليس فقط لانه يمثل استجابة لتطلب اللبنانيين العودة إلى حياة طبيعية آمنة وإستئناف دورة الأمل بمستقبل أفضل، بل لاعتبارات سياسية ـ وطنية رئيسية أساساً.
العودة إلى المؤسسات.. بمرتبة ميثاقية
فما يعلنه الاتفاق عبر بنوده ونقاطه كافة، هو العودة بلبنان إلى المؤسسات الدستورية الشرعية ويعلن نهاية "مشروع الفوضى" المرتكز الى إفراغ المؤسسات. ومع أهمية الاتفاق على إنتخاب رئيس الجمهورية فوراً وعلى تشكيل "حكومة وحدة وطنية" وعلى نقاط في قانون الانتخاب، فانّ البند الأهم هو الذي ينصّ على "حظر اللجوء إلى إستخدام السلاح والعنف في الخلافات السياسية وتحت أي ظرف من الظروف بما يضمن عدم الخروج على عقد الشراكة الوطنية".
إنّ ما يقوله هذا البند غاية في الوضوح. فهو لا يحظر أيّ إنقلاب في المستقبل وحسب لكنه يُبطل إنقلاب 8 أيار أيضاً ويعتبره لاغياً سياسياً. والأكثر أهمية هو أن هذا البند في "إتفاق الدوحة" يعيد الإعتبار لمسألة ميثاقية بإمتياز، إذ يعتبر انّ إستخدام السلاح في الخلاف السياسي "خروج على عقد الشراكة الوطنية" أي انه يرفع إحترام المؤسسات إلى مرتبة ميثاقية.
سلطة الدولة..والسلاح على الطاولة
وإذا كان ما تقدّم يؤكد انّ إنقلاب 8 أيار فشل نتيجةً لرفضين لبناني وعربي، فإنّ بنداً آخر في "إتفاق الدوحة" يكتسب أهمية كبرى هو الآخر. هذا البند هو الذي ينصّ على "حصر السلطة الأمنية والعسكرية بالدولة" وعلى "تطبيق القانون وإحترام سيادة الدولة في كافة المناطق بحيث لا تكون هناك مناطق يلوذ اليها الفارون"، وينصّ على انّ الحوار الذي بدأ في الدوحة "يتمّ إستئنافه برئاسة رئيس الجمهورية فور إنتخابه وبمشاركة اللجنة العربية".
لهذا البند من الإتفاق معانٍ عميقة كثيرة، أهمها إثنان. الأول هو انّ السلاح صار موضوعاً على طاولة الحوار ولم يعد النقاش فيه محرّماً. والثاني هو انّ "مسألة السلاح" ليست شأناً لبنانياً فقط إنما هي شأن عربي أيضاً. فاللجنة العربية ستشارك في الحوار بعنوان "تعزيز سلطات الدولة اللبنانية على كافة أراضيها"، تأكيداً على الموقف العربي الداعم لسيادة لبنان ولسيادة دولته على أرضه، وتشديداً على الضمانة العربية ضد استخدام القوة في السياسة.
فاعلية "النظام العربي"
من هنا، فانّ "إتفاق الدوحة" يُعدّ إنتصاراً للبنان الوطن ولبنان الدولة. وهو بهذا المعنى إنتصارٌ لـ"النظام العربي" الذي أكد من مدخل الأزمة في لبنان قدرته على أن يكون فاعلاً وفعّالاً. وليس بسيطاً أن يعتبر الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى في نهاية مؤتمر الدوحة انّ الإتفاق الصادر عنه نجاحٌ لـ"العمل العربي المشترك" بل أول نجاح منذ سنوات طويلة.
مرحلة جديدة بسمات إنتقالية.. و"مساكنات"
"الحكمة" الشائعة تقول إنّ "العبرة في التنفيذ". وهذه "الحكمة" صحيحة تماماً. بيد أنّ ما لا يمكن تجاهله هو انّ مرحلة لبنانية جديدة بدأت مع "إتفاق الدوحة". صحيحٌ انّ لهذه المرحلة الجديدة سمة "إنتقالية" لفترة من الزمن وربما حتى العام 2009. ذلك انّ ثمّة أسابيع أو شهوراً من "المساكنة" بين الدولة و"الدولة الموازية"، وانّ ثمّة "مساكنة" بين فرقاء لم ينتهِ الخلاف أو الخصومة السياسية بينهم داخل مؤسسة القرار في مجلس الوزراء. غير انّ الصحيح أساساً هو انّ العهد الجديد، عهد الرئيس ميشال سليمان لا بدّ، وهو مدعومٌ بقوة عربياً ودولياً فضلاً عن التقاطع اللبناني عليه، أن يُطلق ديناميات تعزيز الدولة وسلطاتها و"إنتشارها".
بإختصار، يؤسس "إتفاق الدوحة" بجوانبه الرئيسية المشار إليها آنفاً لمرحلة جديدة ولو أن فيها قدراً من السمات "الإنتقالية".
لكن "الإتفاق" الذي يُنهي الصراع في "الشارع" وإستخدام السلاح لا يُنهي الصراع السياسي "السلميّ" ضمن المؤسسات. ومن الطبيعي أن يتواصل الصراع السياسي سلمياً وديموقراطياً.
14 آذار: الإنتخابات المقبلة معركة سياسية أساسية
في هذا الإطار، من المهمّ لفت أنظار فريق 14 آذار إلى أمرين جوهرييّن.
الأول هو انّ صمود 14 آذار طيلة المرحلة السابقة ووحدتها السياسية، كانا ـ الصمود والوحدة ـ العاملين الرئيسيين في تمكينها من العبور بنسبة عالية من "السلامة" إلى المرحلة الجديدة. فواجهت موحّدة ووقّعت التسوية موحّدة.
أمّا الأمر الثاني فهو انّ وحدة 14 آذار ضرورة للمرحلة الآتية التي ستُحسم خلالها قضايا الإستقلال التام وقيامة الدولة وترسّخ النظام الديموقراطي، وهي تنطلق نحو هذه المرحلة بمكاسب متحققة للبنان باتفاق الدوحة.
وأن تكون وحدةُ 14 آذار شرطاً من شروط المرحلة الآتية، فذلك يعني أنّ الأسس التي نهض عليها هذا التحالف الاستقلاليّ لا تزال قائمة. ويعني أنّ زمن "خلط الأوراق" لم يحِن. ويعني أنّ الانتخابات النيابيّة المقبلة معركة سياسيّة بعناوين واضحة ولا مجال لـ"بين البينَين".
جراح الحريري وواجب "حزب الله"
أمّا وقد دخل "إتفاق الدوحة" حيّز التنفيذ، وسيكون العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية بعد غد الأحد، فلا بدّ من تسجيل "نقطة" أخيرة.
في ختام مؤتمر الدوحة، وفي موازاة توقيعه على الاتفاق، قالَ زعيم "تيّار المستقبل" سعد الحريري كلاماً "مؤثراً"، فيه أنّه لا يزال "مجروحاً" وأنّ بيروت "مجروحة"، وأنّه سيعمل جاهداً للتغلّب على الجراح.
يستحقّ كلام الحريري، من أجل أن يبلسم جراح بيروت، أن يتوجّه "حزب الله" الى الحريري والى بيروت بموقف شجاع بأنّه يأسف لإنزلاقه الى ما إنزلق إليه، ويعتذر عن كلّ جرح أو ضرر لحقا بالعاصمة… هذا إذا كان راغباً بالفعل بتجاوز الصفحة السوداء.
السنيورة كبيرٌ من لبنان
أمّا "الكلمة" الأخيرة، فهي بلا شكّ الى الرئيس فؤاد السنيورة رجل الدولة ورجل المرحلة الصعبة، ورمز الصمود والشجاعة، ورمز الدفاع عن الشرعيّة الدستوريّة وحصونها، فقد سجّل إسمه في لائحة كبار لبنان