وطن نقف عليه ؟!
فجأة ازدحمت الايجابيات على مستوى المنطقة كلها:
1 – أعلن اتفاق الدوحة بين الافرقاء اللبنانيين وفُتحت الابواب امام الحلول مهما تكن متانتها وقدرتها على التأسيس لاخراج لبنان نهائيا من مسلسل أزماته القاتلة.
2 – أعلن في وقت واحد في دمشق وتل ابيب وأنقرة عن مفاوضات سورية – اسرائيلية غير مباشرة، وعن تعهد اسرائيل الانسحاب من الجولان الى خط 4 حزيران من عام 1967، وهو أمر سيقلب الاوضاع في المنطقة رأسا على عقب في حال نجاحه.
3 – أنهى الجيش العراقي بالتعاون مع الاميركيين سحق "جيش المهدي" الذي كانت ايران تدعمه سابقا واندفعت الدبابات في مدينة الصدر. بما يؤكد ان هناك تفاهما حدث وراء الاسوار بين واشنطن وطهران على مثل هذا الامر.
4 – سارعت اميركا الى تكذيب بيانات اسرائيلية تحدثت عن امكان توجيه ضربة اميركية الى منشآت ايران النووية قبل نهاية عهد جورج بوش.
5 – صرحت واشنطن، وفي خلال ساعات الفجر الاولى امس بتوقيت اميركا، على اعلان تأييدها أولا لاتفاق الدوحة، وثانيا للمفاوضات التي تديرها تركيا بين سوريا واسرائيل.
ماذا يعني كل هذا؟
ربما يعني هذه المرة: "إفتح يا سمسم" ولكن على مستوى المنطقة كلها وليس على مستوى الازمة اللبنانية التي يستطيع المرء اذا صح الترابط بين كل هذه الحلول، ان يقول انها كانت فعلا معلقة في انتظار أن تنضج الحلول الاخرى بما يعني ان لبنان استعمل وقودا حيويا لتحسين الاوراق والمواقف.
اذاً رحم الله الموتى الشهداء الذين سقطوا، وكان في عون الذين عطلتهم الازمة إفلاسا أو هجرة أو يأسا.
ان القراءة في بنود الاتفاق الذي أذاعه الشيخ حمد رئيس وزراء قطر تحض على تبني الاجماع الذي ظهر من كل الاطراف، معتبرا ان هذا الاتفاق متوازن ومهم ويمكن ان يفتح صفحة جديدة ويؤسس لحل نهائي في لبنان، وانه رغم انغماسه في تفاصيل الدوائر والتقسيمات الادارية الانتخابية، قدم مخرجا يراعي مبدأ لا غالب ولا مغلوب الذي لا بد منه في لبنان.
عمليا لا تستطيع المعارضة الحديث عن انتصار سياسي يثمّر الاجتياح العسكري الذي حصل أخيرا، من منطلق القول انها حصلت على "الثلث المعطل" الذي طالما أصرت عليه:
أولا: لأن التعطيل كان واقعا عمليا في السلطة التنفيذية منذ خروج الوزراء الشيعة منها، وقد تبعه تعطيل الوسط التجاري وتعطيل السلطة التشريعية كما هو معروف ثم جاء التعطيل الامني الذي كاد ان يشعل لبنان والمنطقة كلها.
ثانيا: لان النص المتعلق بتشكيل الحكومة في الاتفاق دعا صراحة الى "عدم الاستقالة او الاعاقة" بما يعني انه عارض التعطيل صراحة، ثم ان ابقاء حصة النصف زائد واحد للأكثرية يعطيها حق اقرار المشاريع التي لا تتطلب توافقا في مجلس الوزراء.
الأمر الجوهري الاساسي في الاتفاق والذي سيبقى موضع تساؤل وحذر هو مسألة استعمال السلاح والعنف لتحقيق مكاسب سياسية والخروج عن عقد الشراكة الوطنية اي محاولة الخروج من الطائف.
هذا الامر جرى التشديد عليه في ثلاث فقرات متتالية قرأها الشيخ حمد بن جاسم وفيها ان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي سينتخب يوم الاحد المقبل، سيرأس جلسات الحوار التي ستتناول هذا الموضوع ويفترض ان تضع الصيغة الملائمة لترجمته عمليا.
طبعا تبدو الامور هنا رهنا بحسن النيات ومدى الرغبة في التزام ما نص عليه الاتفاق المذكور الذي شدد على احترام سيادة الدولة وحصر السلطة الامنية في يدها. ولكن الاحتمالات والتوقعات هنا تبدو واضحة جدا.
بمعنى انه اذا كانت هناك تسوية على مستوى اقليمي على ما توحي الايجابيات المزدحمة وقد اشرنا اليها اعلاه، فان من المؤكد ان اي اتفاق سلام بين سوريا واسرائيل سيُسقط ضمنا غلواء السلاح في لبنان وخصوصا ان هذا الاتفاق يفترض ان يضع حلا واضحا ينهي الالتباس حول مزارع شبعا.
اما اذا تعرقلت المفاوضات وفشلت الوساطة التركية في انتزاع سوريا من جبهة الممانعة على خلفية الاتفاق على التسوية والانسحاب من الجولان، فان كل ما قيل عن موضوع حدود الدولة وسلطتها وحدود سلاح المنظمات والمقصود هنا "حزب الله"، يمكن ان يصير حبرا على ورق، وخصوصا ان استمرت الاندفاعة التي اوصلت نفوذ طهران الى مناطق استراتيجية وحيوية على الساحل الشرقي للمتوسط.
طبعا من المبكر اطلاق احكام مطلقة ونهائية على ايجابيات اتفاق الدوحة وامكانات تحوله مجرد هدنة او استراحة طويلة كما قد يرى بعض المتطيرين. فالامر يحتاج الى وقت والجروح ساخنة وان تكن النيات حسنة.
في اي حال لقد اختلط الحبور بالاسى في عقول اللبنانيين عندما استمعوا الى كلمات الرئيس نبيه بري. الحبور لان الاتفاق أُعلن والاعتصام رُفع. اما الاسى فلأن بري، وهو المبدع في الكلام عادة، أذهلنا فعلا عندما قال ان 10452 كيلومترا مربعا لم تتسع لجمعنا وهو ما فعلته طائرة قطرية وفندق في الدوحة الى جانب البحر!!
هكذا يستحق اللبنانيون اذاً يا دولة الرئيس؟
رغم شكر اللبنانيين اجمعين للجهود القطرية الاخوية المستميتة لانجاح الحل، فان مساحة لبنان تبقى اكبر من مساحة طائرة او فندق. واذا كانت اللياقة وعرفان الجميل يفرضان فعلا الاشادة بالجهود المخلصة للمسؤولين في الدوحة وهو امر حق، فإنهما ايضا يفرضان ومن الدوحة تحديدا، توجيه الشكر ايضا لكل الدول الصديقة والشقيقة التي بذلت جهودا جبارة ومتواصلة وحثيثة لمساعدتنا بحثا عن الحل على امتداد عامين، لكن الطبخة الكبرى والطباخين الكبار لم يكونوا على ما يبدو قد وصلوا بعد الى ما ساعد على انجاز الاتفاق الذي اعلن في الدوحة!
فرنسا واسبانيا والاتحاد الاوروبي تستحق الشكر ايضا منا جميعا وكلنا نعرف ماذا فعلت. والمملكة العربية السعودية تستحق ما هو اكثر من الامتنان والشكر على كل ما بذلته سواء على مستوى قيادتها العليا خادم الحرمين الشريفين او سفيرها المتفاني في بيروت د. عبد العزيز خوجه الذي تعرض للتهديد مرارا وهو يجهد بحثا عن حل والرئيس بري يعرف هذا الجهد اكثر من غيره.
ايضا مصر تستحق الشكر وقد كانت ازمة لبنان من هموم الرئيس حسني مبارك شبه اليومية حيث بذل سفيره السابق حسين ضرار والحالي احمد البديوي كل جهد ممكن للمساعدة في الحل. وكذلك اليمن وكل الدول العربية التي حملت الهم اللبناني في مسلسل الاجتماعات الطويلة.
في اي حال ذهب اللبنانيون الى الدوحة وتفاوضوا على طريقة رودس اي في غرف منفصلة تحرك بينها القطريون. تماما كما يتفاوض السوريون والاسرائيليون الآن في تركيا في غرف منفصلة يتحرك بينها الاتراك.
ولكننا اخوة واشقاء، يفترض ان لا تفصل بيننا جدران في الوطن الواحد الذي وان يكن بمساحته قد عجز عن الاتساع لنا كما اتسعت طائرة الشيخ حمد بن جاسم مشكورا، فانه يبقى الارض التي نضع عليها ارجلنا بدل ان نحلق بعيدا!