أنصار يتقاسمون صور عون وآخرون مسرورون بهزيمة أميركا
الاعتصام انتهى ولكن… بأي ثمن؟ وعلى حساب من؟
في العاشرة والربع صباح امس، قدم رئيس مجلس النواب نبيه بري "هديّة" اتفاق قطر كما أسماها، وهديّة "الأستاذ" فك اعتصام المعارضة في وسط بيروت! شيخ المعارضة أعلن الموقف؛ وفي المخيّم، حيث التجهيزات التقنيّة كاملة، لم يفوِّت أي من المعتصمين البشرى السارة للرئيس بري، فالكل علم من الـ OTV وقناة "المنار" أنه تم التوصل الى اتفاق بين الأفرقاء اللبنانيين في الدوحة، وان الرئيس بري، وباسم المعارضة جميعها كما أوضح، أعلن فك الاعتصام في وسط بيروت!
القرار كان واضحاً. وما ان انتهى اللقاء الختامي في الدوحة حتَّى بدأت الاتصالات الخلويّة واللاسلكيّة عبر الأجهزة للاستفسار والاستعلام وأخذ التوجيهات وتبيان خطة العمل. في خيم "التيار الوطني الحر" وتيار "المردة"، الوجوه كانت حائرة، والكلام يدور همساً على الهواتف النقالة وداخل الخيمة الرئيسيّة للتيار. أما في خيم "حزب الله"، لم يكن هناك حيرة أو ضياع، بل كانت الأمور هادئة والشباب يترقبون القرار والتوجيهات. مع ذلك كان الاستغراب بادياً على وجوه الجميع، فكان كل شيء يتحرَّك بسرعة والجميع يترقب وضعاً جديداً على الأرض لم يعلم بعد ما هي طبيعته. أمر وحيد كان طبيعياً كالعادة: انضباط "حزب الله" كان ما زال يمسك بزمام الأمور من الصيفي الى رياض الصلح!
خيمة التيار… رهن قرار الجنرال!
"لا يكفي ان يعلن الرئيس بري فك الاعتصام حتى نبدأ بازالة الخيم، أنا لم يتصل بي أحد من القيادة ويكلفني بازالة الخيم" قال اميل الهاشم من "التيار الوطني الحر" عند الساعة الحادية عشرة لأحد المواطنين اللبنانيين، الذي كما أوضح لنا كان ترك عمله وسارع الى المخيّم فور سماع الرئيس بري لكي يبدأ على عجل نزع الشوادر الموضوعة تحت الجسر في شمال المخيّم، ما أن منعه الهاشم من اكمال ما كان قد بدأ به حتى عاد الى سيارته وغادر منطقة المخيّم. وعند الحادية عشرة والربع تلقَّى الهاشم اتصالاً هاتفيّاً، ابتعد قليلاً، تكلَّم حوالى ثلاث دقائق، همساً أيضاً، وعاد ليقف بجانب أوديت بطش ويقول لنا متأففاً من الصحافيين: "رح يهلكونا! لا ندري بعد ماذا نقول!"، الهاشم كما قال لنا موجود في المخيّم منذ اللحظة الأولى، وبالطبع المخيّم عزيز جداً على قلبه، وعندما سألناه اذا ما كان يشعر بأي حسرة وهو يشارف على مغادرة المخيّم قال: "أكيد، لكن ابعاد فؤاد السنيورة عن رئاسة الحكومة، واسقاط حكومته بتسوى الدني، وهذا أهم شيء!"، واضاف الهاشم انه اليوم يترك المخيّم واثقاً بأن المخيّم حقق هدف اقامته وهو اسقاط الحكومة، وان فريق السلطة لن يستطيع بعد اليوم أن يستأثر وحده بالقرار، اذ بات يعلم أنه يوجد في الوطن شريك آخر عليه الأخذ برأيه ومشاركته في السلطة؛ ويقاطعنا هاتف نبيل، يرد اميل: "آلو غسان، هل تعمل اليوم؟… هل يمكن أن تؤمِّن لي عاملين او ثلاثة للمخيّم عند فترة بعد الظهر؟ .. على كل الأحوال ابق على أتم الجهوزيّة وانتظر اتصالاً مني". ينتهي نبيل من اتصاله الهاتفي وتسارع أوديت الى مطالبته بصورة كبيرة للجنرال ميشال عون قائلةَ له: "حين تنزعها عليك ان تعطيني اياها وليس لأحد غيري، أريد أن أعلَّقها أمام بيتي في طرابلس في منطقة الميناء بعدما نزعوا لي الصورة القديمة في الحوادث الأخيرة!" وبعد مطالبته بالصورة تسارع الى مطالبته بحفلة في مقر المخيّم: "بدنا حفلة، نرقص وناكل ونشرب وننبسط!"، فيطمئنها الهاشم الى أن الصورة ستكون من نصيبها ويتكتَّم عن موضوع الحفلة والرقص والمأكل والمشرب. ونعود لنسأل اميل عن الموعد الذي يتوقَّع فيه البدء بازالة الخيم، فتجيب أوديت: "بس الجنرال يقول نفكّ، منفكّ!"
… وفي خيمة "حزب الله" انتصار!
جو خيمة "حزب الله" كان مختلفاً أقل حماسةً، وأكثر تحفظاً، وأكثر حذراً وأقل ارتباكاً. "سننزع الخيم ليلاً على ما أظن" قال أحد الشباب. وعند سؤالنا عن السبب، أجاب مبتسماً: "نحن في الحزب هكذا، لا نحب أن نكون مكشوفين، سينزع الباقون خيمهم خلال النهار، ونحن سننزع خيمنا ليلاً، وسنكون حريصين على أن تكون الأمور مضبوطة أمنيّاً حتى اللحظة الأخيرة". ونسأل آخر عما اذا كان راضياً عن قرار فك الاعتصام فيقول: "المهم أن نعيش اخوة في وطننا نتشارك في العيش والحكم، وما دامت المشاركة أصبحت مؤمنة في الحكم نحن سعيدون بفك الاعتصام"، ويتابع: "اليوم، ومهما حاول كل العالم تغليف ما حصل وتسميته بـ"الاتفاق" أو "التسوية"، فان ما حصل فعلاً على أرض الواقع هو انتصار للمعارضة، اذ توصلت المعارضة الى تحقيق مطالبها في الحصول على الثلث المعطِّل في الحكومة واسقاط حكومة السنيورة والاستحصال على قانون الستين الانتخابي الذي كان مطلبها منذ البدء!" وعن سؤالنا لماذا اذاً تأخر هذا الانتصار ليأتي، أجابنا: "لم يستطع فريق السلطة ان يعي أن هناك طرفاً آخر في البلد عليه حتماً مراعاته ومشاركته في السلطة الا بعد حوادث بيروت والجبل والمناطق الأخيرة، فانتصار المعارضة على الأرض جعل فريق السلطة يدرك حجمها، وبالتالي اضطر ليرضخ أمام مطالبها المحقَّة بالمشاركة" ويضيف "أنا شخصيّاً آسف لكل الدم الَّذي سفك هدراً، لكن هكذا تريد اميركا، فهي كانت توهم السنيورة أنها تدعمه وتسانده وتدفعه للانقلاب على فريق الداخل، لكن ماذا حصل في نهاية الأمر؟ تخلَّت كوندوليزا رايس عن السنيورة وأعلن جورج بوش من شرم الشيخ ان المسألة اللبنانيّة تحل داخليّاً فوجد فريق السلطة نفسه أمام خيار واحد فقط، ألا وهو مشاركة المعارضة في السلطة لأن لا بديل عن الاتفاق الداخلي وتبيّن لفريق السلطة أن الاستقواء بالخارج لا ولن يؤدي الى أي نتيجة حميدة، واليوم علم العالم أجمع أن أميركا هي من تريد الفتنة ونحن منعناها!".
أما عما اذا شعر في يومٍ من الأيام أن هذا المخيّم يقطع بأرزاق الناس ويشل حركة البلد، اذ انه ونتيجة لاعتصام المعارضة المستمر منذ ما يقارب السنة وثمانية أشهر أقفل حوالى مئتي مؤسسة تجاريّة، يجيب بحتميّة: "أبداً! ان المسؤول عن قطع أرزاق الناس هي السلطات التي تعاقبت في لبنان على مدى الـ30 سنة الأخيرة وليس هذا الاعتصام" ويتابع مؤكداً "لولا هذا الاعتصام المستمر في بيروت لما كنتم سمعتم باتفاق من الدوحة! هذا الاعتصام شكل ورقة ضغط سياسيّة أساسيّة ساهمت في افهام الفريق المستأثر بالسلطة ان عليه مشاركة بقية الأفرقاء اللبنانيين بها!".
كانت الساعة شارفت الثانية عشرة ظهراً، وما ان انتهينا من الكلام مع المتحدث الينا حتى أتى شاب من "حزب الله" وأوضح لنا انه ممنوع على الصحافيين التصوير داخل المخيّم وأن عليهم التزام حدود الخيمة الرئيسيّة في الوسط من دون كاميراتهم. وهكذا كان، ثم امتلأت الساحة بالصحافيين وصدر قرار القيادات بفك الخيم من وسط بيروت وبدأ العمل على مرأى من عيون الجميع.
الخيم فُكّت، الاعتصام انتهى، الرئيس آتٍ، الحكومة جاهزة الصيغة، وقانون الانتخاب لم يأت على قياس الوطن كما روج له في الاعلانات، انما على قياس المجتمعين في قطر، ويبقى السؤال: هل يختصر المجتمعون في قطر الوطن؟ سؤال الاجابة عنه برسم شعب لبنان، وخصوصاً أمهات شهداء معارك أيار 2008 اذ يبدو أن حرقة قلوبهنَّ سيثلجها فقط هواء الدوحة العليل!
تحقيق أنطوان جرمانوس