اكثر من هدنة
دون ان نقلل من حجم ما جرى التوافق حوله في الدوحة امس ، والذي وصل بعد الظروف القاسية التي عاشها لبنان طوال السنوات الثلاث المنصرمة الى حد استحقاقه تسمية " الحل السحري " الذي اعاد تصويب المسار ووضع الوطن الصغير على سكة ما هو فعلياً اكثر من هدنة ، وفي آن اقل من حل شامل ، لأن مثل هذا الحل يتطلب اقفالاً لملفات اقليمية كبيرة ارتبط لبنان بها ولم يزل ، ويستحيل عليه عملياً الخروج من تداعيات التفاوض او التصادم حولها ! لآسباب لا علاقة مباشرة له بها ، وفي آن ليس بالامكان تحييده بالكامل عنها ، وفي هذه النقطة الاخيرة فإن اهمية اتفاق الدوحة تأتي من ان التبريد الداخلي والتواصل وملئ الفراغ الرئاسي واعادة تكوين المؤسسات تتيح جميعها ان لا يتحول لبنان في حال الصدام " محرقة اقليمية" وفي حال التوصل الى حلول فإن الحل السحري يجنب الوطن الصغير ان يتحول جوائز ترضية يتبادلها الافرقاء المعنيون ، ومن هذه النقطة بالذات يصير الدخول عملياً على مندرجات الاتفاق ممكناً ومرغوباً.
واول الملفات الاقليمية التي يرتبط لبنان بها منذ العام 1948 هي الملف الفلسطيني بكل تفاصيله الممتدة من غزة والضفة الغربية الى المخيمات عندنا – والسلاح خارجها ايضاً – والتي شكلت في طاولة الحوار الاولى بنداًَ رئيسياً للتداول ، وستستمر ايضاً في المراحل اللاحقة دون ان يبدو في الافق اية امكانية لحلول جذرية بانتظار اختراق نهائي في الملف الذي شكل ويشكل اول ازمات الضمير في العالم العربي واكبرها.
وثاني الملفات المفتوحة والمؤثرة والتي تتركز عليها الاضواء في المرحلة الراهنة هي موضوع المفاوضات غير المباشرة – حتى الساعة – بين اسرائيل وسوريا ، وهذا الملف يشكل النقطة الاخطر على لبنان الوطن ، ومن اهم ما انجزه اتفاق الدوحة هو امكانية انتظار الوطن الصغير لنتائج هذه المفاوضات دون كبير خوف من انعكاس نجاحها على اوضاعه الداخلية – التي حصنها الاتفاق المذكور – ومع خوف نسبي من ارتداد الفشل فيها عرقلة وتطويل في الحلول المتفق عليها في العاصمة القطرية امس بالذات .
وثالث الملفات التي تنعكس على الداخل اللبناني هو المواجهة الايرانية – الدولية في ملفي البرنامج النووي ، والتوسع الايراني ، وهذا الملف بالذات كان دون ادنى شك في اول اسباب غزوة حزب الله لبيروت ، وهو سيستمر عاملاً مؤثراً الى حد كبير في تنفيذ اتفاق الدوحة – خصوصاً في بند السلاح وعلاقة الدولة بالتنظيمات – ومن هنا تحديداً التوقعات الحذرة في نقاط ما بعد انتخاب الرئيس وحكومة الوحدة والقانون الانتخابي.
ويبقى ختاماً ان ما نكتبه لا يُراد منه احباط اللبنانيين ، خصوصاً وان الزعماء وعووا للمرة الاولى ان هناك امكانيات حقيقية لتحييد الوطن الصغير عن الصراعات الاقليمية واقفال الباب الذي تأتي منه ريح التصادم والخلافات ، وفي هذه النقطة بالذات يصير سهلاً القراءة بعناية في كل ما ورد في اتفاق الدوحة ، واستشراف ما جاء خلف السطور فيه .