"جنرال" يستعد لدخول القصر وآخر يعيد النظر في حساباته
انتهى «لقاء الصلح» في الدوحة الى تكريس قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية ينتخب رسمياً في جلسة يعقدها البرلمان بعد ظهر الأحد المقبل، بينما ينصرف رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون الى مراجعة حساباته انطلاقاً من نتائج مؤتمر الحوار الوطني اللبناني.
فجميع الذين شاركوا في مؤتمر الحوار في قطر قدموا التنازلات في مقابل حصولهم على أثمان سياسية، إلا عون الذي قدم من دون أن يأخذ باعتبار أن المؤتمرين غير قادرين على إعطائه ما يريد، أي رئاسة الجمهورية. وهو ليس في وارد الاستعاضة عما فقده بالموافقة على الاتفاق بقبول «جائزة ترضية» من هنا أو هناك.
إن ما يرضي عون أعطي لمنافسه سليمان الذي تعاملت الأكثرية مع تثبيته في سدة الرئاسة الأولى على أنه المكسب الذي عادت فيه من الدوحة، لأن الحفاظ على منصب رئيس الجمهورية هو حماية للجمهورية التي كادت تذهب، تحت ضغط التطورات العسكرية الأخيرة، في مهب الريح.
وعلى رغم أن الأكثرية تشاركت مع طرفي المعارضة، حركة «أمل» و «حزب الله» في استرداد الجمهورية والحفاظ عليها، فإن عون كان يتصرف في الدوحة على أن ذلك بعيد المنال ما لم تذهب الرئاسة اليه دون سواه، وإلاّ لماذا إصراره، وقبل أن يتوجه الى الدوحة على عدم إدراج اسم سليمان مرشحاً توافقياً لرئاسة الجمهورية؟
إضافة الى ذلك كان عون يصر في الدوحة على تشكيل حكومة حيادية، تتولى أولاً إعداد قانون الانتخاب الجديد. ومن ثم يصار الى انتخاب الرئيس العتيد، وهو وقف وحيداً ضد المبادرة التي اقترحها أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لمساعدة المتحاورين على تحقيق اختراق يمهد الطريق للتفاهم، خصوصاً ان رئيس المجلس النيابي نبيه بري سارع الى تأييدها طالباً التريث في تحديد موقفه النهائي الى حين استمزاج رأي حليفه «حزب الله».
وعون اختار أن يكون رأس الحربة الوحيد في الاعتراض على المبادرة القطرية التي نصت على انتخاب الرئيس أولاً بعد الاتفاق على توزيع نسب الوزراء في الحكومة في مقابل ترك قانون الانتخاب في عهدتها وأن تكون قاعدته مشروع القانون الذي أعدته اللجنة التي ترأسها الوزير السابق فؤاد بطرس بتكليف من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة.
لم يعرف عون ما إذا كان أمير قطر اقترح مبادرته لاختبار نيات الأطراف اللبنانيين من زاوية تحميلهم مسؤولية مباشرة عن الفشل في حال انتهى كسواه من المحاولات التي قام بها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى لإنجاح الحل العربي للأزمة اللبنانية بحسب المبادرة التي طرحها وزراء الخارجية العرب، أو أنه كان يرغب في تظهير مواقف هؤلاء الأطراف على حقيقتها من انتخاب العماد سليمان.
صحيــــح أن الرئيس بري و «حزب الله» لم يتخليا عن عون وبقيا يقاتلان من أجل تحسين شروطه في التسوية الداخلية لإنهاء الأزمة في لبنان، لكن الصحيح أيضاً ان صبرهما بدأ ينفد في ضوء المعلومات العربية والدولية المتوافرة لديهما ومفادها أن لا عودة الى بيروت قبل الوصول الى نتائج ملموسة تتجاوز بيان إعلان نيات الى الاتفاق على الخطوات العملية بدءاً بانتخاب الرئيس على أساس الحل الشامل في سلة واحدة.
وكان أول الغيث حسم الخلاف الدائر على التقسيمات الانتخابية لبيروت بعدما استمر لأكثر من ثلاثة أيام، ولم يحسم إلا بعد انضمام عضو وفد «حزب الله» الوزير المستقيل محمد فنيش الى اللجنة السداسية المكلفة وضع الإطار العام للقانون الجديد بدءاً من العاصمة، باعتبار أن لا خلاف على اعتماد التقسيم الوارد في قانون 1960 لجميع المناطق اللبنانية الأخرى شرط التفاهم على إعادة النظر في تقسيم بيروت.
لم يكن ممثل «التيار الوطني الحر» في اللجنة جبران باسيل موافقاً على التقسيم الذي أعلن في البيان السياسي الذي تلاه رئيس اللجنة العربية رئيس وزراء قطر وزير خارجيتها حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، لكنه قبل به على مضض كأمر واقع وكان يطالب بأن يكون تقسيم دائرة الأشرفية بمثابة نسخة طبق الأصل عن التقسيم الوارد في قانون 1960.
وتبين أن توزيع المقاعد النيابية على دائرة الأشرفية كان موضع مزايدة بين باسيل وممثل «القوات اللبنانية» في اللجنة السداسية النائب جورج عدوان الى أن تناغما مع التقسيم الذي اقترحه بري من خلال معاونه السياسي النائب علي حسن خليل والوزير فنيش مراعاة لطلب ممثل تيار «المستقبل» في اللجنة النائب السابق غطاس خوري، بعد أن وجدا أن لا خيار أمامهما إلا القبول أو الرفض.
ولم يتأكد ما إذا كان عون تصرف في المفاوضات المتنقلة بين الطبقات التي أقام فيها رؤساء الوفود المشاركون والتي قادها حمد بن جاسم وموسى واضطر أمير قطر الى التدخل في الوقت المناسب لحسم الخلاف حول هذا البند أو ذاك، انطلاقاً من مواكبته حركة الاتصالات العربية والدولية التي لم تتوقف إلا مع الانتهاء من وضع البيان السياسي الختامي للمؤتمر في صيغته النهائية.
فحوار الطبقات في فندق «شيراتون» في الدوحة، كان يواكبه حوار من نوع آخر تولته قطر مع القيادتين السورية والإيرانية، وربما ظن عون أنه قادر على دفع الأمور باتجاه الهاوية من أجل تحسين شروطه في التسوية، أو انه في أسوأ الأحوال حاول أن يضغط من أجل إعادة النظر في الأولويات خلاف حلفائه في المعارضة وفد حركة «أمل» برئاسة بري ووفد «حزب الله» برئاسة رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد، بينما كان نائب رئيس الوزراء السابق النائب ميشال المر يتصرف وكأن المؤتمر أوشك على الوصول الى نتائج إيجابية.
ويبدو أن المر، وهو حليف سابق لعون، كان يدرك حجم الضغوط العربية والدولية التي مورست على المشاركين في مؤتمر الحوار قبل انتقالهم من بيروت الى الدوحة واستمرت الى حين التأكد من أن الدخان الأبيض سيتصاعد من قاعات المفاوضات المتنقلة في «شيراتون»، فيما حاول «الجنرال» عون جاهداً مقاومة الضغوط لكنه استسلم لمشيئتها بعد أن لاحظ أن حلفاءه مستعدون لـ «القتال» سياسياً الى جانبه، إنما لبعض الوقت وليس دائماً.
والواقع الذي اصطدم به عون، كان اصطدم به عميد الكتلة الوطنية الراحل ريمون اده، الذي تحول الى مرشح دائم لرئاسة الجمهورية من دون أن تتيح له الظروف السياسية الوصول الى سدة الرئاسة الأولى مع خلاف أساسي يعود الى أن «الجنرال» يفتقد الأكثرية التي تضمن انتخابه بينما العميد كان يبدأ ترشحه بدعم لا بأس به لكنه سرعان ما يتراجع تحت التأثير المباشر للتدخلات العربية والدولية في معركة الرئاسة.
لذلك فإن عون كان يراهن على حصول تحول في موقف فريق من الأكثرية الى جانبه وعلى أن سدة الرئاسة ستبقى شاغرة حتى إشعار آخر، الى أن فوجئ بأن حسابات حلفائه اضطرتهم الى الانخراط في التسوية، فيما عاد هو الى بيروت استعداداً لخوض معركة سياسية جديدة بعد أن ينتهي من تقويم مؤتمر الحوار ومراجعة حساباته.
لكن أحداً لا يعرف من أين يبدأ عون معركته، وهل سيطلب لنفسه «استراحة المحارب»؟ فيما يرى مراقبون لمؤتمر الدوحة ونتائجه أن بري و «حزب الله» قرآ جيداً التطورات والتقطا الإشارات في الوقت المناسب، وأعطيا فرصة لحليفهما ليعيد النظر في مواقفه.