حتى تكتمل التسوية ·· ولا تبقى النار تحت الرماد
أثبتت التجربة اللبنانية المرّة مرّة جديدة أن لا صوت يعلو على صوت الحق، ولا لغة غير لغة العقل ممكن أن تحل المشاكل وتقرّب المسافات بين الأفرقاء المختلفين على جملة قضايا وتفاصيلها·
وأثبت السلاح، مرة أخرى، عقمه في حل أزمات الداخل مقابل الحوار والتوافق، والأهم تقديم التنازلات من قبل الجميع في سبيل انقاذ الوطن من الضياع الكامل في غياهب الحروب، وتكريس واقع الانقسام، والحقد والعنف بين أبناء الشعب الواحد·
ومع نجاح اتفاق الدوحة، وخروج قوى الأكثرية والمعارضة راضية مرضية بالحقوق المحصلة مقابل التنازلات المتبادلة، يطوي الوطن الصغير، ولو لفترة لم تتبلور حدودها الزمنية بعد، صفحة سوداء من الأزمات والاقتتال السياسي الذي جرّ الخلاف أكثر من مرة الى الشارع، وآخر الغيث كان احداث أيار السوداء التي عمّقت الشرخ عامودياً، وأدخلت الغل والحقد على نفوس صانت نفسها طوال أيام الحرب الأهلية سيئة الذكر·
نعم، من أهم سُبل معالجة أي مشكلة، أو حتى مرض، هو تشخيص الحالة ووضع اليد على الجرح من أجل وصف الدواء المناسب·
وهنا لا بد من توفّر الشجاعة اللازمة للاعتراف بالخطأ التاريخي تجاه أهل بيروت تحديداً، والتي أدت هذه الأحداث المشؤومة بإضفاء الطابع المذهبي على التجاوزات وبالتالي على الأحقاد، سواء كانت مقصودة أو لا، ولكن الأمور بعواقبها·
وبالتالي، بما أننا اليوم نطوي صفحة سوداء من تاريخ لبنان على أمل غد أفضل وأكثر إشراقاً في ربوع وطن مشرق ومزدهر، والأهم يحضن كل أبنائه، من دون استثناء، ليبنوا معاً لبنان، الموطن النهائي باقتصاده النامي وفرص عمله المتنوعة، واحة للاستثمارات وقبلة عين أبنائه في المهجر، إذاً لا بد من تدعيم أساسات الوطن حتى تثبت جذوره في أعماق كل لبناني· وللوصول الى هذه الصورة المشرقة الحلم، لا بد من تعميم المصالحة ونقلها من مصافحات أو حتى قبلات بين قادة الصف الأول، لتطال القاعدة الشعبية في المعسكرين حتى تكون برداً وسلاماً على قلوب آلمها ما أصابها، وأدماها الفراق، وجرّح فيها ما تواصل الى الآذان·
لسنا اليوم بصدد نبش الماضي القريب، ولا إفساد فرحة اللبنانيين باقتراب انتخاب الرئيس، الذي طال انتظاره، بل على العكس نحن بصدد تعميم هذه الفرحة ونشر التوافق في أدنى درجات الهرم، في وقت دفع الكثير من اللبنانيين، من شماله الى جنوبه، ومن شرقه الى غربه، ثمن هذا الاتفاق دماً غالياً، وما زالوا بحاجة لبلسمة هذه الجراح ليفتحوا قلوبهم وعقولهم لفرحة الغد المشرق، وليسود التسامح والغفران بدل الحقد والأحزان، وهو أدنى حقوقهم على قادتهم·
ومن هنا، لا تكفي القُبل والمصافحات، بل الأهم:
1 – وقف الخطاب المتشنج والمشحون، خاصة أن موسم الانتخابات النيابية على الأبواب، بما يحمل من "خيرات" في هذا المضمار·
2 – ضبط وسائل الإعلام التابعة لكافة التيارات والأحزاب بحيث تلعب دور الصوت الجامع والموحّد بعيداً عن الكيديات وتسجيل النقاط والحسابات الضيّقة·
3 – وأخيراً وليس آخراً، تكرار اللقاءات وتفعيل الحوارات على مختلف المستويات، بدءاً من قيادات الصف الأول وصولاً الى المخاتير وسكان الحي الواحد·
كلمة أخيرة·· كما استحق لبنان تنازلات الطرفين من أجل التوصل الى هذا التوافق على رئيس الجمهورية، بما يحمل من أثقال وقوة دفع في آن من آمال اللبنانيين المعلقة عليه، تستحق بيروت، التي أثبتت للمرة المليون، رحابة صدرها وقدرتها على احتضان أبناء الوطن من مختلف المناطق والانتماءات، بعض التنازلات لتضميد جراحها الموجعة!·