الإنقلاب على الإنقلاب
د. نبيل سركيس
إذا كانت التسوية التي أنتجها اتفاق الدوحة برعاية عربية ودولية وإخراج قطري قد أدّت الى نتيجة ظاهرية عنوانها لا غالب ولا مغلوب، فإنّ القراءة الواقعية لهذا الإتفاق، وبعيدا" عن الديماغوجية والاستعراضات الإعلامية المزيفة، تظهر انتصار لبنان والشعب اللبناني الرافض لفكرة العودة الى الحرب، وانتصار الديمقراطية بعيدا" عن لغة السلاح.
وفي لغة الربح والخسارة على الصعيد الوطني يكون فريق 14 آذار خرج رابحا" وذلك بنجاح رهانه على الدولة والعودة الى المؤسسات الشرعية.
أمّا أهم ما توصل اليه هذا الاتفاق، فهو الآتي:
– جرى التشديد مجددا" على اتفاق الطائف، مما يدحض أي محاولة لتعديل الصيغة الوطنية المعمول بها حاليا".
– انتخاب فوري لرئيس الجمهورية ووضع حد للفراغ الرئاسي المستمر منذ ستة أشهر.
– عودة الحياة للمؤسسات الدستورية مع عودة مجلس النواب الى ممارسة دوره وحيث أكثرية قوى 15 آذار تقرر فيه.
– رفع الاعتصام والخيم من وسط بيروت وعودة الحياة الى العاصمة قلب لبنان، ما يبشر بصيف واعد وبإعادة انطلاق العجلة الإقتصادية.
– سحب المسلحين من الشوارع ونزع فتيل الحرب الأهلية التي كانت ستقضي على لبنان هذه المرة لو قدّر لها الاستمرار.
– التأكيد على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وعدم القبول بجزر أمنية أو مناطق ممنوعة على القوى الأمنية الشرعية، في إشارة مباشرة الى منطقة الضاحية الجنوبية تحديدا ومراكز التدريب الفلسطينية التابعة لسوريا في الناعمة وقوسايا وغيرها من المراكز، إضافة طبعا الى المخيمات الفلسطينية.
– التعهد بعدم استعمال السلاح في الداخل لتحصيل مكاسب سياسية، أيا تكن الخلافات السياسية.
– الإتفاق على استئناف الحوار في بيروت حول كل المواضيع الخلافية، لا سيما الاستراتيجية الدفاعية وسلاح حزب الله تحت رعاية الرئيس الجديد.
– بالرغم من اعطاء الأكثرية الثلث المعطل للأقلية الا أنّ هذه الأكثرية لا تزال تحتفظ بالأكثرية المطلقة في حكومة الوحدة الوطنية التي ستؤلف بعد انتخاب الرئيس علما" أنّ عمر هذه الحكومة العتيدة لن يتعدىّ ال11 شهرا، إضافة الى التعهد في اتفاق الدوحة بعدم التعطيل أو الاستقالة، وإضافة الى أن الأكثرية قادرة على إسقاط الحكومة في مجلس النواب في حال محاولة التعطيل، ما يسمح بإعادة تشكيل حكومة جديدة عندها في ظل الرئيس الجديد الذي سيحرص على تطبيق الدستور حرفيا.
– حصول المسيحيين، وبحهد هائل من القوات اللبنانية تحديدا على دائرة من خمسة نواب مسيحيين في بيروت. ومن يدعي أنه كان وراء تقسيم بيروت كما جاء في اتفاق الدوحة سعى لاهثا لنقل منطقة المدور وضمها الى الأشرفية والرميل والصيفي بهدف نقل حوالى 10 آلاف ناخب أرمني الى الدائرة الأولى، وذلك بعدما شعر بعجزه على الساحة المسيحية، وبحثا عن ثقل أرمني يهيمن على إرادة المسيحيين غير الأرمن. ولكن بفضل القوات اللبنانية، فما حصل في انتخابات المتن الفرعية عام 2007 لن يتكرر في الدائرة الأولى لبيروت سنة 2009.
– توقيع الاتفاق من كل القيادات الأساسية المشاركة وايداع الوثيقة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، ما يلقي مسؤولية على الجامعة العربية لضمان تطبيق بنود الاتفاق، ويحمّل المسؤولين اللبنانيين التزاما" تجاه المجتمع العربي.
اذأ ما نستطيع قوله هو أنّ ما جرى في الدوحة ونتج عنه قد شكّل انقلابا" سلميا" وانتصارا" في السياسة لمصلحة الشعب اللبناني في مواجهة الانقلاب والمنطق العسكري الذي حاول فرضه حزب الله. وبالتالي فإنّ الإجتياح العسكري لبيروت لم يؤدِ الى تنازل الأكثرية عن ثوابتها. والأهم من ذلك كله أنّ حزب الله بإنفلاشه العسكري وخرقه الخطوط الحمر الداخلية قد وقّع بنفسه وثيقة إعدام منطق "المقاومة" الذي كان يختبئ خلفه لتنفيذ مصالح إيران وتعليمات خامنئي على حساب المصالح اللبنانية.