#adsense

لماذا صار مقبولاً في الدوحة ما كان مرفوضاً في بيروت؟

حجم الخط

لماذا صار مقبولاً في الدوحة ما كان مرفوضاً في بيروت؟
القيادات لم تحسن القراءة وأخطأت في رهاناتها

هل كتب للبنان ان يعقد بعد كل أزمة حادة يواجهها اتفاقا في الخارج تحت الضغط السياسي والعسكري وبعد ان يتكبد اللبنانيون خسائر بشرية ومادية فادحة مع انه كان يمكن القيادات ان تتفاداها بتوصلها الى مثل هذا الاتفاق بدون اي خارج؟

الواقع، ان اتفاق القاهرة الذي تعذر التوصل اليه في لبنان، صنع في القاهرة واضطر الوفد اللبناني الى الموافقة عليه رغم ما تضمنه من غبن بحق السيادة الوطنية ومن افتئات على السلطة، لان الوفد خُيّر بين القبول به على علاته او عودة القتال بين اللبنانيين والفلسطينيين، فكان لا بد من اجل وقف هذا القتال من القبول بتوقيع اتفاق القاهرة ومن تشكيل الحكومة على اساس القبول به بعد ازمة وزارية استمرت ستة اشهر ومنح مجلس النواب الثقة للحكومة وهو ما يشكل ضمنا الموافقة على هذا الاتفاق. ورغم ذلك فان التنظيمات الفلسطينية المسلحة لم تحترم بنود الاتفاق التي كان يؤمل ان تشكل ضوابط لنشاطها ولعملياتها الفدائية ضد اسرائيل انطلاقا من الجنوب، وعادت السلطة اللبنانية تواجه مشكلة تداعيات هذه العمليات وعواقب ردود فعل اسرائيل عليها من تهجير ونزوح لأبناء الجنوب ومن تدمير للمنازل ومن سقوط قتلى وجرحى.

ولم يتم التوصل الى اتفاق بين اللبنانيين على وقف الاقتتال في ما بينهم وادخال تعديلات معقولة على الدستور تطالب بها فئة لبنانية، الا خارج لبنان وبدعوة النواب الى عقد لقاءات في الطائف استمرت اكثر من عشرين يوما وانتهت بالاتفاق على تعديلات دستورية مهمة وجوهرية عرف بـ"اتفاق الطائف" ولم يكن في الامكان رفض بعض هذه التعديلات التي تقلص صلاحيات رئيس الجمهورية، لان الرافضين خيروا بين القبول بها او تحمل مسؤولية عودة الاقتتال بين اللبنانيين واذا بهذا الاتفاق يتم ايضا تحت الضغط السياسي والعسكري وقد وصفه رئيس المجلس الشيعي الاعلى المرحوم الشيح محمد مهدي شمس الدين باتفاق الضرورة، والبطريرك الكاردينال صفير بأفضل الممكن وقد اوقف القتال. وقد صادق عليه مجلس النواب، لكن الحكومات التي تولت تطبيقه جعلت تطبيقه انتقائيا وليس كاملا تحقيقا لمراميه واهدافه الاصلاحية، وقد كلف التوصل الى هذا الاتفاق حربا دامت 15 سنة وسقط فيها اكثر من مئة الف قتيل ومئتي الف جريح.

وكان اخيرا، وعسى ان يكون آخراً، "اتفاق الدوحة" الذي تم التوصل اليه تحت الضغط السياسي والعسكري ايضا بحيث ان من يرفضه يتحمل مسؤولية قيام "حزب الله" باجتياحات اوسع لمناطق في بيروت وخارجها بعد ان بدأها على نطاق محدود، وتعريض السلم الاهلي للخطر والبلاد لحرب اهلية، فصار ما كان مرفوضا في بيروت مقبولا في الدوحة ولكن بعد سقوط عدد من القتلى والجرحى وتعرض الممتلكات العامة والخاصة للاعتداءات ولأعمال التخريب والحريق والنهب.

كل هذا جعل الناس يسألون لماذا لم تتوصل القيادات اللبنانية الى اتفاق في لبنان بدل ان يتوصلوا الى هذا الاتفاق خارج لبنان؟ لماذا لم توافق الاكثرية على طلب المعارضة ان يكون لها "الثلث المعطل" في الحكومة وان كان التسليم به الآن بات عديم الجدوى اذ لم يعد ثمة قرارات مهمة ولا سيما ما يتعلق منها بالمحكمة ذات الطابع الدولي معرضة للتعطيل ولماذا لم يتم التوافق على تحديد نسبة تمثيل الموالاة والمعارضة في الحكومة تحقيقا للمشاركة وقد طرحت اقتراحات عدة لهذه الغاية وكان في الامكان التوصل الى اتفاق على احدها، حتى صار ذلك ممكنا خارج لبنان؟ وما دام اعتماد القضاء دائرة انتخابية لم يكن موضوع خلاف سوى ان يعتمد ذلك بدون استثناء، فلماذا قبل الاستثناء في لقاءات الدوحة؟ ولماذا لم تقبل المعارضة بانتخاب رئيس للجمهورية بعدما صار الاتفاق على ان يكون العماد ميشال سليمان هو الرئيس التوافقي فاشترطت ان يسبق انتخابه اتفاق على الحكومة وعلى قانون الانتخاب، وقد ادى الخلاف بين الموالاة والمعارضة الى شل عمل المؤسسات وابقاء الرئاسة الاولى فارغة اكثر من ستة اشهر وهذا يحصل اول مرة في تاريخ لبنان وعند الاستحقاق الرئاسي.

ويتساءل بعض الناس ألم يكن في امكان العماد ميشال عون، باعتباره رئيسا لكتلة نيابية كبيرة ويستطيع بحضور نوابها تأمين النصاب لجلسة انتخاب الرئيس، ان يتوصل الى الاتفاق الذي تم التوصل اليه في الدوحة فيسمى عندئذ "اتفاق عون" وذلك بان يطلب من الاكثرية الموافقة على اعطاء المعارضة "الثلث المعطل" في حكومة الوحدة الوطنية وان يعتمد القضاء دائرة انتخابية بدون استثناء، في مقابل موافقته على تأمين النصاب لجلسة انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية فيكون له شرف تحقيق الاتفاق بدل ان يكون لسواه، فلو انه قام بهذه المبادرة ورفضتها الاكثرية لكان حملها عندئذ مسؤولية العرقلة امام الرأي العام الداخلي والخارجي، ولكان دفع عنه تهمة السعي الى الرئاسة الاولى بأي ثمن.

ويرى الناس من جهة اخرى ان التوصل الى "اتفاق الدوحة" بعد تكبيد البلاد خسائر بشرية ومادية جسيمة، وبعدما أن صار مقبولا في الدوحة ما كان مرفوضا في بيروت، يحمل القيادات السياسية في الموالاة والمعارضة على السواء مسؤولية ما جرى وما انتهى اليه الخصام والعداء بينهما الى عناق.

لقد كان على هذه القيادات ان تحسن قراءة التطورات الاقليمية والدولية وتقاطع المصالح بين الدول التي تفتح الباب امام التسويات والمساومات والصفقات خدمة لمصالحها التي تتقدم على مصالح الآخرين، وان من واجب القيادات ان لا تتخذ قراراتها ومواقفها الا بناء على معطيات وقراءات صحيحة للتطورات المحتملة في المدى القريب والبعيد، كي لا تقع في خطأ الرهانات وفي سوء التقدير فيتحمل الشعب تداعيات ذلك ويكفر عندئذ بها، فلو انها احسنت القراءة لما كانت دفعت غاليا ثمن التوصل الى انتخاب رئيس الجمهورية وانهاء حالة الفراغ القاتل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل