اتفاق الدوحة: تسوية مرحلية لصراع مزمن؟
إذا كان اتفاق الدوحة محطة مهمة لانها أوقفت الانهيار الكبير والسريع للبلاد في اتجاه الحرب الاهلية المدمرة، وحولت وجهة الاحداث نحو تسوية سياسية ستأتي غدا برئيس جديد للجمهورية، ثم بحكومة للوحدة الوطنية، فبقانون للانتخاب، فانه لا يجوز تحميل الاتفاق الذي كان كل الاطراف في حاجة تكتيكية ماسة اليه اكثر مما يتحمل، والقول انه يرقى الى اتفاق سياسي، او الى تسوية شاملة. فعناصر الازمة لا تزال كاملة، والخلافات الكبرى والجوهرية على كل شيء حاضرة عند كل منعطف. من هنا اعتبارنا الاتفاق الذي تم في الدوحة محطة تسووية موقتة في مسار ازمة مديدة وصراع مزمن حول كل شيء في لبنان.
لا يهدف كلامنا الى التقليل من اهمية الاتفاق، ولا الحط من قدر الجهد الكبير والاستثنائي الذي بذله القادة القطريون، علما ان كثيرين، ونحن منهم شككوا في البداية بحياديتهم بين الافرقاء اللبنانيين في ضوء تجارب سابقة في مجلس الامن بالنسبة الى المحكمة الدولية. اما بعد مؤتمر الدوحة، فالحق يقال ان القطريين فهموا تماما قوانين اللعبة الاقليمية والدولية فأداروا العملية التوفيقية بأمانة كبيرة نيابة عن الاسرة العربية والمجتمع الدولي ساعة كان واضحا ان في لبنان فريقين علقا فوق شجرة وصارا في حاجة الى من يعينهما على النزول منها: الغالبية النيابية التي انقطعت بها السبل في حكم البلاد وفقا للقواعد الدستورية التقليدية، وتعرضت لاكبر عملية ترهيب امني وعسكري مدى ثلاثة اعوام انتهت بغزوة "حزب ولاية الفقيه" لبيروت ومحاولة تركيع الجبل الدرزي. اما الاقلية النيابية المقطورة خلف "حزب ولاية الفقيه" المدجج بالسلاح افتقرت على الدوام الى شرعية تترجم بها قوتها الامنية والعسكرية، تارة في مرحلة الاغتيالات، وطورا في زمن الغزوات!
سقطت بيروت في قبضة "حزب ولاية الفقيه" العسكرية فكان المأزق بالنسبة الى الغالبية المستضعفة بالحديد والنار، وانتصر "حزب ولاية الفقيه" على ابناء العاصمة العُزل فكان مأزقه بأن تحول قوة احتلال في مواجهة حالة اهلية عدائية، ومناخ عربي اسلامي ودولي شرع يتعامل معه بصفته حالة انقلابية غير شرعية.
بناء على ما تقدم علق الطرفان في مأزق، وجاءت التسوية في الدوحة لتساعدهما في وقف الانحدار السريع نحو حرب اهلية مؤكدة. واذا ما وضعنا جانبا المناخات الاقليمية التي عبدت الطريق الى الاتفاق، فان ما حصل في الدوحة شكل تسوية مرحلية لم تدخل عمق الصراع على الخيارات الكبرى في البلاد، وبالطبع من غير ان تلج عمق الخلاف حول طبيعة لبنان، ومصير الكيان، والصيغة، والنظام، ونمط الحياة. هذه العناوين التي تمثل الصدوع الاساسية في جسم لبنان.
لقد بقيت الازمة قائمة ولكن جرى دفنها تحت رماد تسوية الدوحة. اتفق الجميع على الحد الادنى الممكن، في ظل توافق اقليمي قائم على تعادل سلبي يمكن ان يطول او يقصر تبعا لتطورات مقبلة في المنطقة على مستوى المواجهة الدولية – الايرانية حول البرنامج النووي والسياسة التوسعية في العالم العربي، او بالنسبة الى المفاوضات السورية – الاسرائيلية.
بقي ان العنصر الاهم في نظرنا والذي لم يعالجه اتفاق الدوحة، ليس لقصور فيه بل لتعقيداته الشديدة، هو سلاح "حزب ولاية الفقيه" بشقيه الاستراتيجي والامني. اذ عاد الحزب من قطر معتبرا ان السلاح هو خارج اي مناقشة او مراجعة. ونحن نقول ان هذا الامر سيبقى بمثابة القنبلة الموقوتة التي ستنفجر مرات ومرات عندما يعود الحزب المذكور الى الاضطلاع بوظيفته الاقليمية في الحرب والسلم فيتورط في مغامرات جديدة مشابهة لحرب تموز، او عندما يعاود توزيع السلاح وتدريب المجموعات الحزبية الهامشية تحضيرا لغزوات محتملة في المستقبل.
لا نريد ان نُتّهم باننا متشائمون، ولكننا نأبى ان نكون بسطاء الى حد الانقياد خلف اوهام او قل تمنيات مهما تكن وردية. وعسى ان نكون مخطئين!