#adsense

مدينة لا تموت

حجم الخط

مدينة لا تموت

بيروت اجمل مدن الدنيا وعروسها لا تشبه إلا نفسها واهلها. طيبة تملك قدرة على التسامح والتجاوز كأم، وتملك ارواحاً كأنها تنسل من كل روح تزهق ارواحاً جديدة، تملك جلداً وصبراً على الاحتضار لسنوات حتى نظن انها لن تقوم من جديد وتملك طاقة على احتمال كل جنون يعصف بها. جارة البحر قادرة على استيعاب هدير امواجه ومن يحتضن البحر لن يغص بسواقي الجحود..

يكاد العالم لا يصدق ان هذه بيروت التي تنفست بالامس ضحكاً وتبريكات. وجوه ناسها سعيدة وقد سارعوا الى احتضان قلبها بشوق ومحبة، ونحن بتنا نصدق اننا هذا «نحن» الشعب اللبناني بقبائله المجنونة التي تستطيع التعادي في لحظة، والانكفاء على نفسها، وهذا الشعب المتعدد المتصالح مع كل الوانه المختلفة يضمها بتناسق كباقة ربيع..

ثمة شعور يخامر اللبنانيين منذ الامس وكأنهم في عرس، وبيروت العروس، والجمهورية عروس ايضاً، تنتظر عريسها عصر الاحد.. هذا الفرح العجيب الذي انفجر في لحظة فنفض اكوام «النق والتق» والاحباط. هذا الشعب الذي كان تحت سابع ارض منذ ايام، كان محلقاً في سابع سماء بالامس. يملك لبنان ثروة هائلة سرها الانسان اللبناني، وتتفاعل كيمياؤه مع سر هذه المدينة بيروت القادرة على الولادة والتجدد في كل لحظة..

نستحق نحن هذا اللبنان البهي، وهو ايضاً يستحق شعباً مثلنا، لا يخنع ولا يخضع ولايدجن مهما استكان وظن الاخرون انهم دجّنوه لكنه فاجأهم حين انتفض.. بالامس انتفضت بيروت خارجة من حبس الخيم والانتظار، فجأة تحولت الى فضاء يتنفس الفرح. هذه البلاد لا تروض جامحة،وهذا الشعب لا ينهد لان طموحه جامح متمرد..

يستحق لبنان محبة العرب، يستحق لبنان عاطفتهم وانحيازهم اليه، وللذين سخروا طويلاً من تباهي اللبنانيين بطبيعتهم المتفردة في قرب البحر من شموخ الجبال العالية «اللي ما بتنطال» يستطيعون ان يكتشفوا الان ان السر في هذا القرب. فاللبنانيون كالجزر ينحسرون وكجبالهم يعودون قامات منتصبة..

وسيحفظ اللبنانيون للرئيس الشهيد رفيق الحريري جميلاً يطوق اعناقهم جيلاً بعد جيل، لم يعلمهم فقط كيف يبنون لبنان، بل كيف يخافون على ما بنوا، وكيف يحبون ما بنوا، وكيف يكون إيمانهم بلبنان مثلما كان إيمانه به وبالشعب اللبناني.. ما قبل رفيق الحريري في وجدان الشعب اللبناني وحقبة بناء لبنان هي غير ما بعد، وتحديداً «سنّة» لبنان، فقد ربط وثاقهم بوطنهم بإيمان شديد ومحبة كبيرة وعروة وثقى نتأكد تجربة بعد تجربة انها لا انفصام لها..

يستحق لبنان امنه وامانه وازدهاره، لانه وطن يعشق الحياة ويتفنن في عيشها، وتستحق بيروت تسميتها ست الدنيا وسيدة العواصم، وقلبها الراقد فيه رفيق الحريري درة الشرق وروحه.. نعم نحن نستحق الحياة، والموت لا يهزم الحياة ابداً فبعده «الحياة الاخرى»، أهل الموت يموتون ولا يحيون، واهل الحياة يحيون ولا يموتون ابداً..

المصدر:
الشرق

خبر عاجل