#adsense

اتفاق الدوحة: انتصارات وهمية وبطولات حقيقية

حجم الخط

اتفاق الدوحة: انتصارات وهمية وبطولات حقيقية
ربيع يعقوب

قبل انتحارها الأخير في بيروت والجبل لم تكن تنظيمات قوى 8 آذار بمثل المرونة التي أصبحت عليها إثر اتفاق قطر.
قبل جهاد حزب الله ضد أبناء بيروت، كانت مطالب القوى التي نحار في إطلاق تسمية عليها من كثرة مآثرها الجهنمية التي لا تعدّ ولا تحصى، تمتد كأسراب خفاش تغطي المسافة بين الشمس والقمر وتحجب نورهما. فالمطالب كانت تبدأ بضرورة الإتفاق على رئيس الحكومة والمقاعد الوزارية وتوزيع الوزارات، وعلى البيان الوزاري والقانون الإنتخابي، وعلى إسم قائد الجيش ومدير المخابرات ورؤساء الأجهزة الأمنية، ولا تنتهي ربما إلا بعد معرفة نوعية الثياب التي سترتديها نساؤنا: أهي شرعية أم لا؟ كان على كل هذا ان يحصل قبل ان يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية على أن لا يتطرق اي اتفاق لسلاح حزب الله. ولما لم توافق قوى 14 آذار على ذلك بالرغم من كل التهديدات شرع حزب الله بإرسال مجاهديه الى بيروت السليبة ليستردها من أيدي من تجرأوا على إعلان انفسهم اهل البلد، وليرميهم في البحر عقابا على محبتهم لوطنهم وإيمانهم بوجوده خارج إطار السجن الإيديولوجي الكبير المتمثل بحزب الله. ومن ثم اعلن انتصاره بعد استكمال احتلال بيروت وظنّ مع اتباعه أن القطاف السياسي قد حان.

قبل غزوة بيروت وقبل اتفاقي بيروت وقطر كان مجرد الحديث عن سلاح حزب الله يناهز المساس بالأنبياء والرسل والعزة الالهية. وكان الرد عليه يتم بالتهديد الوحشي بنزع الأرواح وقطع الأبدان. وكانت ترفض مجرد الدعوة الى حوار حول هذا السلاح. وهكذا هرب حزب الله من الحوار حول استراتيجية دفاعية الى الحرب مع اسرائيل في تموز 2006 ومن ثم رفض الرئيس بري وبأوامر من حزب الله إدراج مسألة السلاح بنداً ضمن جدول أعمال جلسات التشاور التي دعا اليها في تشرين الثاني 2006 باعتباره فوق مستوى الحوار. وعندما كرر الدعوة الى الحوار في نيسان 2008 قال في 25 منه: "أن المبادرة الحوارية واضحة وجدول أعمال الحوار محصور بالوصول الى إعلان نوايا حول نسب التمثيل في الحكومة وحول اي دائرة انتخابية مضيفا ان طرح شروط جديدة لا يعطل الحوار فحسب بل يضع عراقيل امام انتخاب رئيس الجمهورية (ببساطة وضع معادلة مفادها ان الحديث عن سلاح حزب الله يعني عدم انتخاب رئيس للجمهورية)".

حتى خلال مؤتمر الدوحة نفسه قال رئيس وفد حزب الله محمد رعد: "أن موضوع المقاومة غير قابل للنقاش وهو أمر محسوم". بالواقع كل هذه الفيتوات أسقطها بيان اتفاق الدوحة الذي وافق عليه حزب الله على مضض بعدما تأكد أن الإستثمار في استعمال السلاح داخلياً ارتد عليه بنتائج سياسية سلبية غير متوقعة اضطرته وللمرة الاولى للموافقة على ما لم يوافق عليه مطلقا من قبل وهو وضع سلاح حزب الله على الطاولة لمناقشته لا لإرهاب اللبنانيين به.

إذعان حزب الله لمطالب الاكثرية النيابية بإيجاد حل لموضوع سلاحه بدا جلياً في اتفاق بيروت في فقرتيه الرابعة والخامسة. وقد جاء في الفقرة الرابعة : "تتعهد الاطراف بالإمتناع عن أو العودة الى استعمال السلاح أو العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية". بموافقة حزب الله على هذه الفقرة يكون قد اعترف لأول مرة وبشكل صريح أنه ادار سلاحه الى الداخل ولم يستعمله للمقاومة بل استعمله بوجه اللبنانيين للحصول على مكاسب سياسية. وبهذا سقطت مشروعية سلاحه المقاوم بطريقة رسمية عبراتفاق رسمي.

وجاء في الفقرة الخامسة: "إطلاق الحوار حول تعزيز سلطات الدولة اللبنانية على كافة أراضيها وعلاقاتها مع التنظيمات على الساحة اللبنانية بما يضمن أمن الدولة والمواطنين". هذه الفقرة جعلت من حزب الله وللمرة الاولى ايضاً تنظيماً وليس مقاومة – الا اذا اعتبر حزب الله أن من فعل هذا في بيروت أتوا من كوكب آخر وأن الاتفاق هو على حرب تدور بين بريطانيا والارجنتين – وسجلت موافقة الاطراف كافة والاهم حزب الله باعتباره المعني الاول بالموضوع على ضرورة الحوار لتعزيز سلطة الدولة على اراضيها، أي أن حزب الله اعترف للدولة بحقها عليه واعترف بعلو سيادة الدولة على سيادة سلاحه وحزبه. وخلاصة هذه الفقرة تعني موافقة حزب الله على تراجع نفوذه أمام نفوذ الدولة. وكان من نتائج هذا الإذعان انتخاب الرئيس والعودة الى المؤسسات الدستورية.

واستمر الخط البياني هذا في مؤتمر الدوحة الذي جاء في اتفاقه: "تم إطلاق الحوار في الدوحة حول تعزيز سلطة الدولة طبقا للفقرة الخامسة من اتفاق بيروت (تدحض هذه الجملة نفي حزب الله لمسألة نقاش سلاحه في الدوحة) وتم الاتفاق على ما يلي: "حظر اللجوء الى استخدام السلاح والعنف أو الاحتكام اليه فيما قد يطرأ من خلافات أي كانت هذه الخلافات وتحت اي ظرف كان بما يضمن عدم الخروج على عقد الشراكة الوطنية القائمة على تصميم اللبنانيين على العيش معاً في اطار نظام ديمقراطي وحصر السلطة الامنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين بيد الدولة بما يشكل ضمانة لاستمرار صيغة العيش المشترك والسلم الاهلي للبنانيين كافة وتتعهد الاطراف بذلك".

الشق الاول يعني أن اتخاذ حزب الله لذريعة استعمال السلاح لحماية السلاح هي ذريعة ساقطة اما السؤال عن ضمانة عدم استعماله خصوصا ان حزب الله لم يعد يملك رصيدا يخوله أن يضمن نفسه فقد اعطتها قطر الدولة ذات العلاقات الجيدة مع حزب الله وإيران وسوريا ، وذلك عبر مهر رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم الاتفاق بتوقيعه وفي هذا محك لصدقية دولة قطر. اما حول الشق الثاني فنحن نعرف أن السلطة الأمنية في الضاحية الجنوبية هي لحزب الله حصراً. هذا الشق يعيد حصر السلطة بالدولة وفي هذا تراجع ايضاً من حزب الله الذي كان خلال غزوته لبيروت قد طلب حتى من الجيش اللبناني أن يخرج من إحدى ثكناته العسكرية (ثكنة فتح الله). وهذا الشق لا شك أنه أتى إثر إلحاح د. سمير جعجع على ضرورة بدء الحوار حول تحديد علاقة حزب الله بالدولة.

كما جاء في اتفاق الدوحة: " تطبيق القانون واحترام سيادة الدولة في كافة المناطق اللبنانية بحيث لا تكون هناك مناطق يلوذ اليها الفارون من وجه العدالة احتراماً لسيادة القانون وتقديم كل من يرتكب جرائم أو مخالفات للقضاء اللبناني". الجيد في هذه الفقرة هو ان الضاحية الجنوبية كانت قد خرجت عن سلطة الدولة نهائيا بحيث إن قوى الامن الداخلي لم تكن تدخلها الا بإذن وإذا فعل عناصرها ذلك دون إذن أو تنسيق مع حزب الله كان التعرض للإختطاف مصيرهم. وكانت سلطة الدولة بمختلف اوجهها غائبة حتى اصبحت الضاحية وسواها من مناطق نفوذ حزب الله ملاذاً للفارين من وجه العدالة وقد يكون آخرهم قتلة الكتائبيين في زحلة. هذا البند هو دفعة كبيرة للدولة خصوصا مع وصول الرئيس سليمان الى سدة الرئاسة الذي بامكانه أن يتسلح بهذا الاتفاق الموقع من الجميع لاستعادة سيادة الدولة على اراضيها.

الاهم في هذا الاتفاق هو انه تحدث في نفس الفقرة التي تتحدث عن سيادة الدولة عن إستئناف الحوار برئاسة رئيس الجمهورية فور انتخابه وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وبمشاركة الجامعة العربية. إذا الحوار حول السلاح سيأخذ للمرة الاولى صفة رسمية لان رئيس الجمهورية وفقا للدستور هو الذي يمسك بأزمة الحكم وهو الحكم بين اللبنانيين والمدافع الاول عن حقوق الدولة. وبهذا نجحت قوى 14 آذار في جر حزب الله الى المؤسسات للفصل بموضوع سلاحه لتنزع عنه صفة الشرعية الثورية التي لا يستطيع الاحتفاظ بها اذا ما اضطر للدخول في استراتيجية دفاعية يتشارك فيها اللبنانيون جميعاً لاسيما وان خطاب القسم قد قال بوجوب الدخول في حوار هادىء مع حزب الله لاقامة الاستراتيجية الدفاعية، الامر الذي كان قد رفضه وتهرب منه حزب الله تكرارا ومرارا. كما ان الرئيس المنتخب ربط الاستراتيجية الدفاعية بلبنان حصرا وهذا يعني ضبط إضافي لمطامح حزب الله وارتباطاته بالثورة الاسلامية في إيران.

السؤال هو كيف تراجع حزب الله في مؤتمري بيروت والدوحة خصوصاً انه أعلن نجاحه في العملية العسكرية التي قام بها؟ بمعزل عن الصخب الإعلامي يبدو أن حزب الله أدرك أن الهجمة التي أرادها خاطفة وقاصمة لقوى 14 آذار لم تحصل وفقا لما خطط له. فالحكومة ازدادت استبسالا وممانعة والمرحلة الثانية من الهجمات العسكرية تعرضت لنكسات عديدة. فأيقن حزب الله أنه إذا ما استمر في عمله العسكري فستكون حاله كحال حليفه الجنرال المتقاعد ،عندما ظن في العام 1989 أنه سيقضي على القوات اللبنانية في 24 ساعة فآلت حربه وبالا عليه وللأسف كارثةً على الطائفة المسيحية بفضل قلة بصيرته. إضافة لذلك فإن إطلال الحركات السلفية برأسها من بعيد جعله يخشى من حرب استنزاف طويلة قد تشن عليه وتنهكه، فتعيقه عن الدور الذي رسمته له إيران في استراتيجيتها المتوسطة الأمد . لذا سارع الى الموافقة على وقف إطلاق النار بعدما كان قد طلب استسلاما مذلا من الدروز في الجبل بداية. وتراجع عن مطالب تسليم المراكز ومخازن الذخيرة المزعومة وذهب باتجاه تسوية تحفظ له ماء الوجه بانتظار ظروف قادمة.

اتفاق الدوحة أعادنا الى سكة الدولة. وهذه اكبر هزيمة لحزب الله الذي ما فتىء يحاول منذ ثلاث سنوات دحر الدولة تمهيدا للحلول مكانها، فصحا بعد أن نام على نشوة الانتصار ووجد أن الدولة التي ظن أنه دفنها بيديه استحالت كالفينيق طائراً من تحت الرماد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل